Arabic English French Persian
القديس المُتنصر.. المُعز لدين الله بن منصور الخليفة الفَاطمي

الأسم: معدّ المُعز لدين الله، المعز أبو تميم معدّ بن منصور

ولد بالمهدية التونسية حوالي 932 – ومات بالقاهرة 975,

هو رابع الخلفاء الفاطميين في إفريقية (تونس حاليا) وأول الخلفاء الفاطميين في مصر، والإمام الرابع عشر من أئمة الإسماعيلية، حكم من 953 حتى 975.

أرسل أكفأ قواده وهو جوهر الصقلي للاستيلاء على مصر من العباسيين فدخلها وأسس مدينة القاهرة بالقرب من مدينة الفسطاط، والتي تعتبر أول عاصمة للعرب في مصر.

ولاية الأمام المعز لدين الله

ولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية خلفاً لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين، وكان المعز رجلاً مثقفاً يجيد عدة لغات مولعاً بالعلوم والآداب متمرساً بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها كيساً فطناً يحظى باحترام رجال الدولة وتقديرهم.

انتهج المعز سياسة رشيدة، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة، ونجح في بناء جيش قوي، واصطناع القادة والفاتحين وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا.

لم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر، فكان يتابع أخبارها، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها، متذرعا بالصبر وحسن الإعداد، حتى يتهيأ له النجاح والظفر.

الفاطميون وحكم مصر

تطلع الفاطميون إلى غزو مصر فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحُلم غير أنها لم تكلل بالنجاح، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ / 913م أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات، الأمر الذي يؤكد عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر، وكان فشل كل محاولة يقومون بها تزيدهم إصراراً على تكرارها ومعاودتها مرة بعد مرة، ونبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر، فدعمت وجودها العسكري في مصر، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيد، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين.

حالة مصر الداخلية قبل الفاطميين

كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر، وجاءت وفاة كافور الأخشيد سنة (357هـ/ 968م) لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها.

وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، واضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر غازياً، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

مقدمات دخول الفاطميين مصر

كان أمل الفاطميين التوسع شرقاً ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها، وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي حتى تكون بعيدة عن العباسيين، فإن ذلك لم يعد مقبولاً عندهم بعد أن قويت شوكتهم واتسع نفوذهم، وأصبحت الفرصة مواتية لتحقيق الحلم المنشود، والتواجد في قلب العالم الإسلامي.

وقد بدأ الفاطميون منذ سنة (355هـ / 966م) استعدادهم للانتقال إلى مصر، واتخاذ الإجراءات التي تعينهم على ذلك، فأمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وبناء الاستراحات على طوال الطريق، وعهد إلى ابنه "تميم" بالإشراف على هذه الأعمال.

استيلاء الفاطميين على مصر

أرسل المعز لدين الله إلى مصر واحداً من أكفأ قادته ألا وهو "جوهر الصقلي" الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله وخرج المعز في وداعهم في 14 من ربيع الأول 358هـ / 4 من فبراير 969م ولم يجد الجيش مشقة في مهمته ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ / 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين.

الفاطميون في القاهرة

رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لاستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة فكتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم فخرج المعز من المنصورية عاصمته في المغرب وكانت تتصل بالقيروان في 21 من شوال 361 هـ / 5 من أغسطس 972م وحمل معه كل ذخائره وأمواله حتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها واستخلف على المغرب أسرة بربرية محلية هي أسرة "بني زيري"، وكان هذا يعني أن الفاطميين قد عزموا على الاستقرار في القاهرة، وأن فتحهم لها لم يكن لكسب أراضٍ جديدة لدولتهم، وإنما لتكون مستقرا لهم ومركزاً يهددون به الخلافة العباسية.

وصل المعز إلى القاهرة في 7 رمضان 362هـ / 11 يونيو 972م، وأقام في القصر الذي بناه جوهر الصقلي، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقراً للخلافة الفاطمية الشيعية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية السنية.

قضى المعز لدين الله القسم الأكبر من خلافته في المغرب، ولم يبق في مصر إلا نحو 3 سنوات، ولم تطل الحياة به في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، لكن حسبه أنه نجح في الانتقال بدولته من المغرب التي كانت تنهكها ثورات البربر المتتالية، ولم تدع له فرصة لالتقاط أنفاسها حتى تكون مستقراً جديداً للتوسع والاستمرار، وأنه أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.

أرسل المعز جيشه بقيادة جوهر الصقلي في حروب ضد قبائل المغرب وأمويي الأندلس. كما أكدت غاراته على إيطاليا سيادة الفاطميين على البحر المتوسط على حساب البيزنطيين. وتوفي الخليفة المعز لدين الله في القاهرة في 16 ربيع الثاني 365 هـ/23 ديسمبر 975م.

المعز لدين الله والقرامطة

وقد حارب المعز القرامطة وجرّد لهم الجيوش إلى أن استطاع إبعادهم إلى شرق الجزيرة العربية بعيداً عن مكة وجوارها، ويذكر التاريخ أن عدة مراسلات نشأت بين الطرفين، ولكن أشهرها هي رسالة المعز التي نورد مقتطفاً منها أدناه:

"من عبد الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم رسوم النطقاء ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء السالف والآنف منا صلوات الله علينا وعلى آبائنا أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله الابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى حسب ما قال الله جل وعز‏:‏ "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏"‏‏.‏ ‏

استشعروا النظر قد نقر في الناقور وفار التنور وأتى النذير بين يدي عذاب شديد فمن شاء فلينظر ومن شاء فليتدبر وما على الرسول إلا البلاغ المبين‏. ‏ وكتابنا هذا من فسطاط مصر وقد جئناها على قدر مقدور ووقت مذكور فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع وحكم مجموع وأجل معلوم وأمر قد سبق وقضاء قد تحقق.

فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم أو كمراح غنم فإما نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون وأنت في القفص مصفوداً ونتوفينك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين "فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَولَّى‏"‏، "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ"‏‏.‏ فليتدبر من كان ذا تدبر وليتفكر من كان ذا تفكر وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يحَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللهِ‏"‏ ويا حسرتنا على ما فرطنا ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوماً بوراً‏.‏

والسلام على من اتبع الهدى وسلم من عواقب الردى وانتمى إلى الملأ الأعلى وحسبنا الله الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من عترته وسلم تسليماً‏.". ‏

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B2_%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87#cite_note-0

قصة نقل جبل المُقطم وتحول المُعز للمسيحية

من المعروف أن الحاكم المعز لدين الله الفاطمي كان محباً لمجالس الأدب ومولعاً بالمناقشات الدينية ولهذا كان يجمع رجال الدين من المُسلمين والمسيحيين واليهود للمناقشة في مجلسه شريطة أن يتقبل الجميع مايثار بلا غضب أو انفعال أو خصام.. وكان من ضمن أفراد هذا المجلس رجل يهودي اعتنق الإسلام لكي يصبح وزيراً في الدولة هو "يعقوب بن كلس" وكان له صديق يهودى إسمه موسى وحصل على نعم ورزق وفير من الخليفة لأجل صداقته لوزيره فلما رأى محبة الخليفة للبطرك البابا أبرأم ابن زرعة السرياني ومركزه عنده إشتعلت الغيرة فى قلبه وحسده وأعد خطه شريرة للإيقاع بين المعز والبابا، فقال للمعز : " أنا أريد أن تحضر البطريرك لأجادله بين يديك (أمامك) ليظهر لك حقيقة دينه "، فلم يقل المعز للبطريرك ما قاله موسى بالضبط ولم يعٌرضه لهذ المناقشه حتى لا تهتز مكانته لمحبته له فقال له:

"إن رأيت أن تحضر أحد أولادك من الأساقفه يجادل اليهودى فإفعل"، فإتفقوا على يوم يحضروا فيه للمناقشة.

الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين

إجتمعوا فى اليوم المحدد وكان من حاضر مع الأساقفة أسقف الأشمونيين قديس وعالم بالكتب المقدسة إسمه "ساويرس ابن المقفع" وكان كاتباً ينسخ الكتب المقدسة ويعمل فى دواوين الدولة وهذا الأسقف له حوادث وأخبار وتاريخه نسقه بعد مماته الأسقف الأنبا ميخائيل الذى كان أسقفاً لمدينة صان الحجر (محافظة الشرقية حالياً) وهو مؤرخ شهير لـ "كتاب تاريخ البطاركة "، يوجد منه نسخة موجودة باللغة اللاتينية جمع وتأليف المؤرخ "رنودوت" ولم يرسم ساويرس إلا فى عهد الأنبا أفرايم "البابا ابرأم ابن زرعة" القصيرة.

* أنظر كتاب "تاريخ الأمة القبطية وكنيستها" تاليف أ.ل.بتشر- تعريب أسكندر تادرس- طبعة 1900 الجزء الثانى- ص 18.

ومن المعروف أن ساويرس ابن المقفع الأشموني، أعطاه الرب نعمة وقوة فى اللسان العربى حتى أنه كتب كتباٌ كثيرة وميامر ومجادلات وقد كتب عشرون مقالة هذا غير الميامر وتفاسير وأجوبة لمسائل وأسئلة للمدعو أبى البشر ابن جارود الكاتب المصرى.. وأسماء الكتب العشرين الذين كتبهم ساويرس المعروف بإبن المقفع:

* كتاب التوحيد,

* كتاب الإتحاد,

* كتاب الباهر رد على اليهود,

* كتاب الشرح والتفصيب رد على النسطورية,

* كتاب فى الدين نسخه الوزير قزمان إبن مينا,

* كتاب نظم الجوهر,

* كتاب المجالس,

* كتاب طب الغم وشفا الحزن,

* كتاب المجامع,

* كتاب تفسير الأمانة,

* كتاب التبليغ رد على اليهود وكيف تقوم النفسين,

* كتاب الإستيضاح وهو مصباح النفس,

* كتاب السير,

* كتاب الإستبصار,

* كتاب ترتيب الكهنوت الإثنى عشر طقوس البيعة,

* كتاب إختلاف الفرق,

* كتاب الأحكام,

* كتاب إيضاح الإتحاد،

وربما هناك أسماء آخرى للكتب السابقة وربما أيضاً هناك إسمين لكل كتاب وكثيراً ما كان يجادل قضاة من شيوخ المُسلمين بأمر من المعز لدين الله الفاطمي فأفحمهم بقوة حجته ومناورته وشدة المنطق والفلسفة والبلاغة التى كان يتكلم بها..

وحدث فى إحدى هذه المجادلات أنه كان يجلس عند قاضى القضاة من شيوخ المُسلمين وأئمتهم فعبر أمامهم كلب وكان يوم الجمعة وكان كثير من الناس مجتمعين فقال قاضى القضاة : "ما قولك يا ساويرس فى أمر هذا الكلب أهو نصرانى أم مسلم؟"

فقال له: "إسأله فهو يجيبك عن نفسه" فقال له القاضى: "هل الكلب يتكلم؟ "ولكن نريدك أنت أن تقول لنا"، فقال: "نعم لهذا يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك ان اليوم يوم الجمعة والنصارى يصوموا ولا ياكلوا فيه لحم فإذا إنتظروا فى العشيه يشربوا النبيذ والمُسلمين لا يصوموا ولا يشربوا النبيذ وياكلوا اللحم فضعوا أمام الكلب لحماً ونبيذاً فإن أكل اللحم فهو مُسلم وإن لم ياكله وشرب النبيذ فهو نصراني"، فلما سمعوا كلامه تعجبوا من حكمته وقوة حجته وتركوه فى خزى شديد .

الأنبا ساويرس إبن المقفع أمام المعز

وفى اليوم المختار ذهب إلى قصر المعز الأنبا أبرآم ابن زرعة ومعه الأنبا ساويرس ابن المقفع فجلسوا فى حضرة الخليفة المعز وجلسوا صامتين مدة طويلة حتى قال لهم المعز: "تكلموا فيما إجتمعتم من أجله "ووجه نظره إلى البطرك قائلاً: "قل لنائبك أن يقول ما عنده"، فقال البطرك للأسقف: "تكلم يا ولدى فإن الرب يوفقك".. فقال الأسقف للملك المعز: "لا يجوز الكلام مع رجل يهودى جاهل أمام أمير المؤمنين" فقال له اليهودى: "أنت تحط من قدرى وتعيبني وتقول فى حضرة أمير المؤمنين إنى جاهل"، فقال له الأسقف الأنبا ساويرس إذاً ظهر الحق لأمير المؤمنين فلا تغضب

فقال المعز: "لا يجوز أن يغضب أحد فى المجادلة بل ينبغى للمجادلين أن يقول كل واحد منهم ما عنده ويوضح حجته كيفما شاء"، فقال الأسقف أنا لم أشهد عليك يا يهودى بالجهل بل نبى كبير جليل عند الرب هو الذى شهد بذلك "، قال له اليهودى: " ومن هو هذا النبى؟ "، قال له: "أشعياء النبى الذى قال فى أول كتابه عن الرب: "اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ، أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلاَ يَعْرِفُ. شَعْبِي لاَ يَفْهَمُ». "، فقال المعز لموسى اليهودى: "هل هذا صحيح؟"، قال: "نعم هذا مكتوب"، قال الأسقف: "أليس الرب هو القائل أن البهائم والدواب أفهم واعقل منكم ولا يجوز لى أن أخاطب فى مجلس أمير المؤمنين دام عزته منْ تكون البهائم والحيوانات أعقل منه وقد وصفه الرب بالجهل"، فأعجب المعز بالجدال وأمرهم بالإنصراف.

إستحكمت العداوة بين الفريقين وأصبحت نفس الوزير اليهودي المُتأسلم مريرة من الغضب وذهب ليبحث عن ثغرة فى الإنجيل لأن الأقباط تغلبوا على اليهودى عند المُعز وبعد بضعة ايام دخل الوزير اليهودى عند المُعز وقال: "مكتوب فى إنجيل النصارى: " ٢٠ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ."(أنجيل متى 17 : 20)، فليرى أمير المؤمنين رأيه فى مطالبتهم بتنفيذ هذا القول لأنه من المستحيل أن يتم هذا وإنه كذب فإن هم لم يفعلوا فلنفعل بهم ما يستحقوه على إيمانهم الكاذب.. فلنختبر النصارى بهذا القول ولنا فى ذلك إحدى فائدتين فإن صح زعمهم به فهذا جبل مكتنف القاهرة سمى فيما بعد بالمقطم (1) وإذا إبتعد عنها كان هوائها أنقى ومناخها أجمل ونكسب مكاناً نبنى فوقه المدينه ونوسعها, وإن لم يصح كان المُسلمون أولى بمساكن هؤلاء الكفرة والإستيلاء على أملاكهم وإذا طردناهم ومحونا أثرهم من الوجود ويبقى لا ذنب علينا من قبل الله .

فوافقه المعز وأرسل فى طلب الأنبا أبرآم ابن زرعة البطريرك وقال له: "ماذا تقول فى هذا الكلام, هو فى إنجيلكم أم لا؟.. قال البطريرك: "نعم هو فيه"، قال له: "هوذا أنتم نصارى ألوف ألوف فى هذه البلاد وأريد أن تحضر لي واحد منهم ليظهر هذه الآية على يدية وأنت يا مقدمهم (رئيسهم) يجب أن يكون فيك هذا الفعل وإلا أفنيكم وأمحيكم بالسيف أو أمامك ثلاثة لتختار إما قبول الإسلام أنت والنصارى أو هجر البلاد (طرد الأقباط من البلاد) أو نقل الجبل الشرقي {تحكي السجلات المسيحية أن جبل المُقطم في فترة العهد الفاطمي منذ عام ‏969‏ م كان يسمي الجبل الشرقي وطلب المعز لدين الله الفاطمي من الأنبا أبرام السرياني بطريرك الأقباط نقل الجبل الشرقي، سمى بعد ذلك بالمُقطم، كلمة مقطم معناها مقطع- راجع المعجم الوسيط الجزء الثان}، فمساحة الأرض المسطحة التى نقل الجبل منها إستغلها المعز فى إنشاء القاهرة (2).. حينئذ ذهل البطرك وخاف خوفاً عظيماً ولم يدرى بماذا يجيبه وألهمه الرب فقال: "إمهلنى ثلاثة أيام حتى أبحث وأطلب من الرب إله السماء أن يطيب ويسر قلب أمير المؤمنين على عبيده".. وعاد البابا إلى منزله بمصر وأحضر الكهنة والآراخنة بمصر وعرفهم ما حدث وهو يبكى .

ويذكر كتاب "الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة للأسقف الأنبا إيسوزورس- طبعة القاهره 1923 - الجزء الثانى- ص 246،

"جزع الأقباط لهذا النبأ ولبس كبارهم وصغارهم المُسوح وفرشوا الرماد وذروا التراب على رؤوسهم وصرخ الشيوخ والأطفال إلى الرب وألقت الأمهات المرضعات صغارهن بلا رضاعة بالكنائس وصعد العويل والصراخ إلى الرب من كل حدب وصوب".

وحدث أنه كان فى حصن بابليون (مصر القديمة) مجموعة من رهبان وادى هبيب (وادى النطرون) فأمرهم البابا ألا يرحلوا إلى ديرهم ويمكثوا لمدة ثلاث ايام لمداومة الصلاة فى كنيسة السيدة العذراء بقصر الشمع المعروفة بالكنيسة المعلقة ليلاً ونهاراً فظلوا ثلاثة أيام ولياليها فى صوم وصلاة .

أما البطريرك صام صوماً إنقطاعياً فى الكنيسة المعلقة ولم يفطر طيلة النهار من الليل إلى الليل يأكل خبزاً وملحاً وماء يسير وظل واقفاً فى صلاه يبكى وتنهمر دموعه بين يدى الرب كل تلك الأيام ولياليها وفقد القوة على الحركة ولكنه جاهد فى الصلاة أكثر وفى صباح اليوم الثالث سقط البطرك القديس على الأرض من تعبه وحزن قلبه وصيامه الشديد وغفى غفوه قصيرة فرأى السيدة العذراء الطاهرة مارت مريم وهى تقول له بوجه فرح: "ما الذى أصابك "، فقال لها: "أنظرى حزنى يا سيدتي فإن ملك هذه الأرض هددني قائلاً إن لم تفعل آية ومعجزة وتنقل الجبل سأقتل جميع النصارى فى مصر وأبيدهم من خلافتي جميعاً بحد السيف..".

فقالت له السيدة العذراء: "لا تخاف فإنى نظرت إلى دموعك التى ذرفتها وسكبتها فى كنيستي هذه, قم الآن وأترك المكان وأخرج من باب درب الحديد الذى يؤدى إلى السوق الكبير وفيما أنت خارج ستجد إنسان على كتفه جرة مملوءة ماء وستعرفه من علامته أنه أعور العين فإمسكه فهو الذى سوف تظهر عليه العلامه على يديه"، فإستيقظ البطريرك فى الحال وهو مرتعب وكان جالساً على الأرض فنهض بسرعة ولم يدع أحد يعلم بإستيقاظه وخروجه وذهب فى الطريق الذى ذكرته السيدة العذراء حتى وصل إلى الباب فوجده مغلقاً فشك فى قلبه وقال: "اظن أن الشيطان لعب بي"، ثم دعا البواب ففتح له فأول من دخل من الباب كان هو الرجل الذى ذكرت علامته السيدة العذراء له فأمسكه وقال له بمطاونه وظل يربطه بعلامة الصليب قائلاً: "من جهه الرب, إرحم هذا الشعب ثم أخبره ما حدث فى إجتماعهم بالكنيسة المعلقةفقال له الرجل: "إغفر لي يا أبي فإني إنسان خاطئ ولم أبلغ هذا الحد (يقصد من القداسة)"، وعندما قال له ذلك اخبره البطريرك بما قالته السيدة العذراء مريم عند ظهورها له، ثم قال له ما صناعتك وعملك فأراد أن يخفى أمره ولا يرد على السؤال فجعل عليه الصليب وربطه بالحروم بألا يخفى شيئاً ويحكى له قصة حياته وألا يكتم شئ، فقال: "أنا رجل دباغ (3) ومن الآلقاب الآخرى التى أطلقت عليه سمعان الخراز،وهذه عيني التى تراها أنا قلعتها من أجل وصية الرب فعندما نظرت لما ليس لي فى شهوة ورأيت إني ماضي إلى الجحيم بسببها (4) ففكرت وقلت الأصلح لي أن أمضي من هذه الحياة بعين واحدة إلى المسيح خير من أمضى إلى الجحيم بعينين وأنا فى هذا المكان أعمل أجيراً لرجل دباغ وفى كل يوم آكل خبزاً قليلاً وبباقى أجرتي أتصدق للفقراء والمساكين نساء ورجال.. حتى هذا الماء الذى أحمله - أحمله لهم كل يوم قبل أن أمضي إلى عملي وهم قوم فقراء ليست لهم قدرة على شراء الماء من السقا وأقوم فى مثل هذه الساعة المبكرة من كل صباح لأملأ جرتي ماء وأوزعها على الكهول والمرضى الذين أقعدتهم الشيخوخة أو المرض عن القدرة على إستجلاب الماء لأنفسهم، ولما أنتهي من خدمتي هذه أعيد قربتي إلى البيت وأذهب إلى عملي، وباقى النهار أعمل دباغاً فى المدبغة وليلي قائم أصلي،(5)

هذه هى حياتي وأنا أطلب منك يأبي ألا تحكى ما أخبرتك به لأحد فليست لي مقدرة على تحمل مجد الناس بل الذى أقوله لك إفعله أخرج أنت وكهنتك وشعبك كله إلى الجبل الذى يقول لك الملك عنه ومعكم الأناجيل والصلبان والمجامر والشمع الكبير وليقف الملك وعسكره والمُسلمين فى جانب وأنت وشعبك فى الجانب الآخر وأنا خلفك واقف فى وسط الشعب بحيث لا يعرفني احد وإقرأ أنت وكهنتك وصيحوا قائلين: يا رب إرحم.. يا رب إرحم ساعة طويلة ثم إصدر أمراً بالسكوت والهدوء وتسجد ويسجدون كلهم معك وأنا أسجد معكم من غير أن يعرفني أحد وإفعل هكذا ثلاث مرات وكل مرة تسجد وتقف ثم ترشم الصليب على الجبل فسترى مجد الرب"، فلما قال هذا القول هدأت نفس البطريرك بما سمعه .

وجمع البطريرك الشعب وذهبوا إلى الخليفة المعز وقالوا له: "أخرج إلى الجبل "فأمر جميع عسكره ومشيريه وحكماؤه ووزراؤه وكتبته وجميع موظفين الدولة بالخروج وضربت الأبواق وخرج الخليفة ورجاله وفى مقدمتهم موسى اليهودي.. وفعل البابا كما قال سمعان الدباغ ووقف المعز ورجاله فى جانب وجميع الآقباط فى الجانب الآخر ووقف سمعان الخراز خلف البطرك بثيابه الرثه ولم يكن فى الشعب من يعرفه إلا البطرك وحده وصرخوا يارب إرحم مرات كثيرة ثم أمرهم البابا بالسكوت وسجد على الأرض وسجدوا جميعاً معه ثلاث مرات وكل مره يرفع راسه يرشم الصليب على الجبل كان الجبليرتفع عن الأرض وظهرت الشمس من تحته فإذا سجدوا نزل الجبل وإلتصق بالأرض وحدثت زلزله إرتجت لها كل جهات الأرض – فخاف المعز خوفاً عظيماً وصاح المعز ورجاله: " الله أكبر لا إله غيرك"، وطلب المعز من البطرك أن يكف عن ذلك لئلا تنقلب المدينة رأساً على عقب، ثم قال المعز بعد ثالث مرة يا بطرك عرفت أن دينكم هو الصحيح بين الأديان، فلما سكن الناس وهدأوا إلتفت البابا خلفه يبحث عن سمعان الدباغ الرجل القديس فلم يجده.

* أنظر كتاب "تاريخ الاباء البطاركة" للأنبا يوساب أسقف فوه من آباء القرن 12 أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القس صموئيل السريانى والأستاذ نبيه كامل.

ثم قال المعز للبطرك أنبا أبرآم ابن زرعة: "تمنى أى أمنية " فقال البابا : " أتمنى أن يثبت الرب دولتك ويعطيك النصر على أعدائك" وسكت البطرك فكرر المعز ما قاله ثلاث مرات وأخيراً قال: "لا بد أن تتمنى على شيءفقال البطرك، "إذا كان لا بد فأنا أسأل مولانا أن يأمر إن أمكن من بناء كنيسة الشهيد العظيم ابو مرقورة فى مصر القديمة لأنها لما هدموها لم يكن بإمكاننا أن نبنيها مرة آخرى وحولوها شونة قصب، والمعلقة بقصر الشمع إنهدمت حوائطها وظهرت الشروخ فيها"، "فطلب الإذن بترميمها وإعادة ما تهدم منها"، فأمر المعز فى الحال بأن يكتب فرمان (أمر مكتوب من الخليفة) بالتصريح له بذلك ، فلما قرأ سجل الخليفة عند أرض كنيسة القديس مرقورة لتنبيه المُسلمين، إجتمع أوباش الناس والرعاع (العامة)، فعاد البطرك للمعز وأخبره بما حدث فغضب لذلك فركب حصانه فى الحال ومعه عساكره حتى وصل إلى مكان الكنيسة فوقف وأمر بحفر الأساس فحفروا بسرعة كبيرة وجمعوا البنائين وحُملت إليه الحجارة من كل مكان بأمر الملك المعز وبدأوا يبنون فلم يجسر أحد أن ينطق بكلمة إلا شيخ واحد كان يجمع هؤلاء الباعة فى الجامع ويصلى بهم ويحرضهم ويدفعهم لهذه الأعمال، فألقى هذا الشيخ نفسه فى حفرة أساس الكنيسة وقال: "أريد اليوم ان أموت على إسم الله ولن أدع أحداً يبنى هذه الكنيسة"، ولم يكن المعز موجوداً فذهب إلى هناك وأمر بأن ترمى الحجارة ويبنى فوقه فلما بدأ العمال برمى الجير والحجارة عليه أراد أن يقوم ويهرب فلم يسمحوا له جنود المعز بذلك لأن المعز أمر بدفنه فى الأساس الذى رمى نفسه فيه، ولما راى البابا ذلك نزل عن دابته وذهب إلى المعز يترجاه حتى يعفوا عنه وظل يترجاه والعمال يرمون فوقه الحجارة والطوب حتى أمر بإصعادة من الأساس، وبمجرد أن لمست قدمة سطح الأرض حتى جرى وأفلت بعد أن أشرف على الموت وعاد المعز إلى قصره فلم يجسر أحد من المسلمين أن ينطق بحرف واحد إلى أن تم بناء كنيسة الشهيد أبى سيفين وكذلك رمم وأصلح الكنيسة المعلقة وبنا كل الكنائس التى تحتاج إلى بناء أو تكملة وكذلك كنائس الإسكندرية بنا فيها أماكن كثيرة ولم يعترضه أحد من المُسلمين .

وقد أكد أبو المكارم حادثة إعادة بناء الكنائس السابقة فى زمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى،(6)

أما جاك تاجر فى كتابه أقباط ومسلمون يقول: "ويؤكد المؤرخون النصارى أن المعجزه حدثت بالفعل (18) وأن الخليفة أبدى دهشته وأمر بإعادة بناء جميع الكنائس المخربة ثم أرسل فى طلب كبار الأقباط والعلماء المُسلمين وأمر بقراءة الإنجيل والقرآن أمامه , ولما إستمع إلى النصين, ما كان منه إلا أن أمر بهدم المسجد القائم أمام كنيسة أبو شنودة وبناء كنيسة مكانه وتوسيع كنيسة أبى سيفين وترميمها"،

* أنظر كتاب "أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م"- إعداد د. جاك تاجر- د. فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 - ص 121.

ملحوظة:

"لا يؤمن رينودو بهذه المعجزة, وهو يلاحظ أن مكين النصراني والمقريزى إمتنعا عن الإشارة إلى هذا الحادث. ولكن "مارك بول" البندقى الذى عاد إلى بلاده عام 1295 م جاء معه ببعض التفاصيل المتعلقة بحادثة نقل جبل المقطم".

أنفق البابا أموالاً كثيرة فلم يتمكن من ان يعطى أهل الإسكندرية الألف دينار التى كان معتاداً أن يدفعها البطرك لدعم كنائس الإسكندرية حسب التعهد الذى يقوم به كل بطرك قبل رسامته وبعد أن سألوه وطالبوا بالمبلغ كثيراً إتفق معهم على أن يعطيهم كل سنة 500 دينار وحل السلام محل الثورة والحرب, فإمتلأ قلب الأنبا ابرآم طمأنينة على شعبه الأمين،

* أنظر أيريس حبيب المصرى فى كتابها "قصة الكنيسة القبطية" جـ 3 - ص 432.

ومن أسباب السلام الذى حل على الكنيسة هو ما قيل عن الخليفة المعز نفسه.

وكما ذكر الفريد بتلر - ص 78 ، ص 79 : " سمع الخليفة المعز مؤسس القاهرة كثيراً عن حياة النصارى الروحية وعن إخلاصهم للرب يسوع وعن الأمور العجيبة التي يحويها كتابهم المقدس فأرسل لكبيرهم وأرسل لكبير الشيوخ وأمر بإجراء تلاوة رسمية للإنجيل ثم للقرآن وبعد أن سمع كلاهما بعناية شديدة قال بمنتهي العزم - محمد مفيش (كلمة مفيش قد تكون ترجمت الكلمة من الإنجليزية إلى العامية) - أي بما بمعناه لا شئ وامر بتوسيع كنيسة أبي سيفين وهدم المسجد الذي أمامها وزاد على ذلك بأنه تعمد في كنيسة القديس يوحنا ".

ألفريد بتلر ينقل واقعة نقل جبل المقطم في كتابه: "أن الخليفة سمع بانه ورد في انجيلهم أن الإنسان إذا كان مؤمنا فإنه يستطيع أن ينقل الجبل بكلمة، فأرسل لإفرايم (البابا أبرآم ابن زرعة) وسأله هل هذا حقيقي؟ فأجابه نعم فقال له قم بهذا الأمر أمام عيني وإلا سحقت اسم المسيحية فذعر الرهبان وعكفوا على الصلاة في الكنيسة المعلقة وفي اليوم الثالث راي البطرك - العذراء (لماذا العذراء ؟؟ وهي ليست احد أقانيم الثالوث في الأرثوذكسية ") في الحلم تشجعه فقصد في موكب كبير وهم يحملون الأناجيل والصلبان ودخان البخور ودعوا جميعاً فاهتز الجبل وانتقل...".

* أنظر كتاب "الفاطميين فى مصر".

وتحت عنوان:

الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، المُفتَرَى عليه !

كتبت الأستاذة/ ناريمان مطر:

دراسة لتسليط الضوء على التاريخ الموازي وما لم يُقال..

رغم مرور أكثر من ألف سنة، والسؤال: لماذا صمتوا كل هذا الزمن ولَم يصدر كتاب واحد وقتها من كتب التراث يكذب فيه المراجع والمخطوطات التاريخية القبطية للمؤرخين الأقباط والمستشرقين و الكتّاب الأجانب الذين كتبوا عن أعجوبة نقل جبل المقطم وعن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، لماذا تشكيكهم الآن فقط في هذه المعجزة و نفيهم لما سطره التاريخ عن شخصية المعز؟!

تفاصيل المعجزة وأحداثها كثيرة لا يساعها مقال، ولا مجال لسردها هنا بل مجرد توضيح الظروف و الملابسات التاريخية وماقيل تاريخياً عن الخليفة المعز الذي تمت في عهده المعجزة وإن كانت المعلومات عنه قليلة وسطحية في التاريخ الرسمي، ولكن بها تفاصيل غريبة ومثيرة للدهشة وتلفها الغموض والتساؤلات، والتي تقول الشواهد وتؤكد المراجع أن هذا الرجل اختبر صحة الإيمان المسيحي من خلال هذه الإعجوبة،

* فهل صار الخليفة مسيحياً؟

* إيمانه في حد ذاته لا يهمنا سوى لإرتباطه بالأعجوبة !

*لماذا يتجاهلون نهاية المعز و كيفية تنازله عن الخلافة وإختفائه بين ليلة وضحاها ؟!

أبدأ بالتوثيق من المراجع الإسلامية ومنها مرجع "البداية والنهاية" لإبن كثير الدمشقي- جـ 6، والمعترف بكتبه تراثياً وإسلامياً رغم انه أرخ للفاطميين متأخراً في القرن الرابع عشر أي بعد حوالي 350 سنة، ولي وقفة مع ما ذكره؛

يقول: (وقد كان المعز قبًّح الله وجهه.. له سياسة، كان يظهر أنه يعدل وينصر الحق ولكنه كان مع ذلك منجّماً يعتمد على حركات النجوم. قال له منجمه أن عليك قطعاً -أي خوفاً- في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سرداباً وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار ولقَّبه "العزيز" وفوض إليه الأمر حتى يعود إليهم. فبايعوه على ذلك ودخل المعز السرداب فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأوا سحاباً ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين).. ثم برز إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أياماً، ولم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم، ونال رزقه المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة، وكانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر وبعد ما ملكها ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام ، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر) .

واضح أن مسألة إختفاء وتواري المعز أثارت حفيظة المؤرخ المُسلم في زمن كانت أخبار الفاطميين متداولة في الذاكرة الشعبية ولكن لماذا جعله المؤرخ هنا (يبرز لأيام ليحكم قليلاً قبل موته) أليس من المفترض أنه في فترة مرض الموت؟! فهل ظهر فعلاً مرة أخرى قبل إعلان موته؟

* المؤرخ الطبيب القبطي من إصل سوري "يحيى بن سعيد الأنطاكي" المتوفي سنة 1066م يوضح قليلاً من الحقيقة برواية أخرى وليس كإبن كثير، وأن الخليفة حين اختفى لم يظهر ثانية في كتابه "تاريخ الأنطاکي المعروف بصلة تاريخ أوتيخا".

يقول الأنطاكي: (وإعتل المعز لدين الله [في شهر ربيع الاول سنة 365].. وكان المعز قد ولى عهده لإبنه أبي منصور نزار و إستخلفه وإستحضر إليه [يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الآخر] قبل موته بيوم، إخوته وعمومته وسائر أهله وجماعة المقَّدمين لولايته وسلموا عليه بولاية العهد. وأقامت وفاة المعز مكتومة ثمانية أشهر. فلما كان عيد النحر [العاشر من ذي الحجة سنة 365] " ظهرت وفاة المعز"، وصلى بالمسلمين ذلك الْيَوْمَ وسلم عليه بالإمامة والخلافة ولقب العزيز بالله )، صفحة 165.

* وأحداث مذهلة بين السطور، بقوله: (ظهرت وفاة المعز) الذي ظل مكتوماً ثمانية أشهر ولَم يعلن إلا يوم عيد الأضحى.. ياللهول!

(ظهرت وفاة المعز)! كيف ظهرت؟!

هل الخبر المكتوم ظهر بدون جثة الميت؟!

أين ذهب ؟! ومتى دفن ؟! وأين قبره ؟!،

طالما خبر موته كان مكتوماً فالمنطق يقول أنه دفن سِراً!!

لأنه منذ إختفاءه لم يراه أحد! وهل يعقل أن يكون خليفة في عز شبابه وقوته التي غزى بها وإحتل مصر وتونس وسائر بلاد المغرب أن يحكم مصر مدة أقل من سنتين ونصف، منهم (سنة) قال له المنجم توارى عن وجه الأرض في سرداب حتى تنقضي السنة! إضافة (لثمانية أشهر) تحجج فيها بالإعتلال بالمرض وكتموا خبر موته؟! فيصح أن يكون فعلاً (الحيِّ الميت- أو الميت الحيِّ) طيلة عشرين شهر (سنة وثمانية أشهر) من مدة خلافته التي إقتصوها وقصروا مدة حكمه لأقل من سنتين ونصف سنة، يعني بحسبة بسيطة يكون حكم مصر فعلياً قرابة سنة على أكثر تقدير!!

هل يُعقل؟! إن كان خبر وفاته الذي أعلن كان (بدون جثة) ولا مراسم دفن وعزاء، فما الذي يؤكد أن هذا الخبر صحيح ويدعونا لتصديقه وأن المعز كان وقت إعلان الخبر كان ميتاً فعلاً؟!

لماذا تكتم إبنه "العزيز" كل هذه المدة؟

ومن منهما كان الخليفة الحقيقي الذي يحكم في هذه الفترة؟!

هل كان المعز يحكم من سردابه لأن إبنه الصغير لم يكن سوى وآلي للعهد، وليس خليفة فعلياً ولم يلقب بالعزيز إلا يوم عيد النحر؟!

إستحالة أن يوم إعلان خبر وفاته هو يوم جنازته! وإستحالة أن يكون توفي في يوم العيد وإبنه يحتفل بتنصيبه خليفة و يصلي العيد بالمسلمين !!

والسؤال الأهم كيف دفن بدون مشيعين لجنازته و بدون مراسم الوفاة وطقوس الدفن؟! أين كان وما مصيره يوم أعلنوا وفاته؟! ((إن كان خبر موته صحيحاً وحقيقياً))؟

وإن كنت أشك في هذا! وأعتقد أنه لا يوجد عاقلاً يصدق هذا الهراء.

فإن كان دفن في الخفاء فأين دفن، ومكان مقبرته؟!

وإن كان خبر موته مجرد كذبة ليظل مخفياً عن الأعين ومتوارى فأين عاش وماهو تاريخ وفاته الحقيقي ؟! ونعلم أن كل التواريخ الهجرية وضعت فيما بعد لأنها تواريخ إجتهادية وتقريبية.

لأجل هذا الغموض، فالمؤرخين المُسلمين لم يحددوا تاريخاً ثابتاً لوفاة المعز ولا طريقة وفاته ولا أين توفى ؟! فبحسب ما كتبه بعض المؤرخين أنه مات في ديسمبر سنة 975م ومنهم من ذكر وفاته في سنة 976م. و هذا ما ذكره حسين مؤنس في كتابه "أطلس تاريخ الإسلام" (أن المعز لدين الله توفى سنة 976 م).

والإحتمال الأقوى أن كثيرين لم يؤرخون لوفاته وتركوا علامة إستفهام كبيرة مكان تاريخ وفاته، بل أحيانا تَرَكُوا نهايته مفتوحة وتؤرخ مباشرة بتاريخ خلافة إبنه المنصور الذي يقال أنها سنة 975م أو 976م!

* هل صارت أغلب فترة حكمه يعيش متخفياً بسرداب يدير منه البلاد من مصر إلى المغرب!

هل بنى المعز سراديب مماثلة بالمغرب وتونس التي حكمها أكثر من عشرين سنة قبل أن يأتي إلى مصر ؟

لماذا سراديب قاهرة المعز فقط؟

منها سرداب يصل بين مسجد ابن العاص وبين كنيسة أبي سيفين التي نال المعمودية فيها؟!

* ذكر المقريزي هذه السراديب الفاطمية بإستفاضة في الجزء الثاني من خططه. ومنهم سرداب يصل بين قصر اللؤلؤة تحت الأرض وينزل إليه من قصره الكبير الشرقي !

* في مرجع "الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة" للأنبا إيسيذورس، كتب سنة 1892 وفي صفحة 229 يذكر جملة عفوية عن المعز لا تحدد نهايته (بعد وفاته أو بعد تنازله !)؛ يقول:

"ثم خلف المعز بعد و فاته أو بعد تنازله إبنه العزيز ولَم يكن على معرفة من أمور السياسة لصغر سنه".

فما الذي يضطر الخليفة للتنازل لإبنه صغير السن وهو لا يملك دراية سياسية؟!

* من هذه التساؤلات و تضارب المؤرخين في الحكايات المثيرة وعن تواريخ موته، نخرج بنتيجة ألا وهي أن المعز لم يمت بحسب هذه التواريخ المعلنة والتي إقتصوا بها عمره الحقيقي، فالحقيقة قد تؤلم كثيرين.

*أندهش لرواية غير طبيعية، خليفة ويتوارى خوفاً؟! فأين قواده وعسكره الذين يحمون (خليفة المسلمين بمصر وبلاد المغرب)، كيف ولماذا يبدو بهذا الضعف، هل تخلوا عنه؟!

إنها الحادثة الأولى التي تحدث في تاريخ الخلافة الإسلامية، فلم تحدث من قبل أن تنازل خليفة عن عرشه لإبنه بلا أسباب واضحة وهو مازال صغيراً وأن (يتخفَّي خوفاً)، فعصور الخلافة مشهود لها بالدموية والمؤامرات، فمرة إبن يقتل أبوه ليخلفه على العرش ومرة أب يقتل إبنه لأنه أراد ان ينتزع من أبيه العرش!!

*هناك من قال أن المعز أصابه الجنون وذهب هائماً في الصحراء ومن قال أنه إختفى ولَم يظهر له أثراً، وإعلان وفاته جاء بعد زمن طويل من تنازله لإبنه عن الخلافة.

هذا التضارب الكبير في كتب مؤرخي التراث جعل هناك ثغرات واضحة لم يستطع أحد أن يسدها أو يجيب عنها أحد حول شخصية الخليفة المعز و كيفية نهايته وتاريخ وفاته!

*رغم أن هذه رواية إبن كثير تكملها المراجع الأخرى المسيحية لتسد ثغراتها والتساؤلات التي تركت بلا أجوبة وأن هذا الخليفة فعلاً إختفى و توارى في أحد الأديرة للتعبد بعد أن نال سر المعمودية في (معمودية السلطان الأثرية) التي ماتزال حتى يومنا هذا موجودة في كنيسة أبي سيفين بمصر القديمة. فهي معمودية ليست للأطفال بل للكبار بحيث تسع لغمر رجل بالغ وهي على هيئة صليب مخلفة الشكل والإتساع للمعموديات الدائرية الموجودة في كل كنائس مصر!!

فليس من عادة مسيحيي مصر تسمية المعموديات بأسماء ملوك ولا (سلاطين) تلك الكلمة الغريبة التي لم يعرفها المصريين سوى بعد الاحتلال العربي!!

فإن كان مات و دفن بمصر كما يقول المؤرخين فأين قبره؟! وكيف لمنشئ (قاهرة المعز) ألا يكون له قبر أو حتى أي أثر أو مَعَلم أو شاهد لقبره يقول ان هنا دفن خليفة مصر وبلاد المغرب؟!

ولماذا أتى ذكره بالمذمة والسب في سيرته عند إبن كثير "قبحه الله"؟!

*هنا المراجع المسيحية تجيب و توضح مكان و زمان دفنه ونهايته، فقد نسيّ هؤلاء أنه يوجد دائماً (تاريخ حقيقي أخر موازي) للروايات الرسمية التي يتداولونها الكتبة والمؤرخين الرسميين التي تستأجر أقلامهم الحكام و نظام الدولة!

فلا يهمنا هنا المعز وتحوله الديني للمسيحية، فهناك ملوك عظماء وأكثر هيبة وتأثيراً في التاريخ مثل قسطنطين الكبير وكل ملوك الشرق وروسيا وأوروبا، ومع هذا فليس هم من شرّفوا المسيحية والمسيح بل هم من تشوفوا بأن إصطبغوا بالمسيح وإرتدوا زي الإيمان المسيحي، فمايهمنا هو أن تنصير الخليفة المعز يعني برهاناً قاطعاً على أعجوبة نقل هضبة المقطم - وهو ماينكره غير المسيحيين- والتي بسببها إنقلبت حياة المعز و توارى عن الأنظار وزهد الخلافة وعاش حياة الزهد و الرهبنة .

*تقول المؤرخة البريطانية أ. لويزا. بتشر في صفحة 14 من الجزء 3:

"وفِي سنة 975 مسيحية توفى إلى رحمة الله الخليفة المعز، (وفِي هذه السنة نفسها تنيح بطريرك الأقباط و بويع بالخلافة إبن المعز أبو منصور العزيز)".

إنتهى كلامها وهي محقّة في كلامها لأنه كيف تتوافق سنة الوفاة للبطريرك والخليفة معاً إلا لو أقروا وإعترفوا أن سنة 979م بالتقويم اليولياني الشمسي السابق تقابلها سنة 975م بالتقويم الغريغوري الغربي المعدَّل والمعمول به حالياً.. فالفرق بين التقويمين أربعة سنوات الذي حُسب على أساسه الخطأ في التقويم اليولياني، فما كُتب وتأرّخ على التقويم الخطأ ظل معمولاً به وسارياً حتى يومنا هذا. لهذا العالم بأسره يعرف أن ميلاد السيد المسيح سنة - 4 ق.م. مع ملاحظة أن كتب التراث الإسلامية لا تؤرخ بالتاريخ الميلادي المسيحي بل بالهجري.

*فهل مجرد تغيير التقويم "عالمياً" والذي حدث سنة 1582 ينفي إلتقاء عهديِّ البابا إفرايم أو ابراهام بعهد الخليفة المعز، أو ينفي حدوث المعجزة وما ترتب عليها من تبعيات معموديته؟!

*طبعاً كالعادة لا إجابة عند المشككين على هذه التساؤلات؟! ومعهم حق! فكيف يقرون بصحة المسيحية وهم يحاربونها أو يعلنوا تنصير الخليفة وهم كارهين للفاطميين عموماً والمعز بصفة خاصة رافعين راية انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً؟! ولأن تشكيكهم بلا إدلة تاريخية، فإنكارهم أو إعترافهم بحدوثها لن يزيد معجزة أو يقلل منها، فقد سُجلت في وجدان الشعب المصري وذاكرته الشعبية، فالمعز هو من إرتبط تنصيره بالمعجزة لأنه كان من تبعياتها وليس العكس. فالإنكار لاينفي الواقع ولا يمسح التاريخ !

فلماذا يتمسك المشكك بنفي المعجزة فقط ولا يشمل تشكيكه بأنه لا يوجد أساساً خليفة يُدعى المُعز ولا بطريركاً إسمه أبرآم بن زرعة ؟!

*النقطة التي يلعبون عليها هي فرق في الأربع سنوات بين تاريخ وفاة المعز "المصطنع" وبين تاريخ وفاة البابا إفرايم وتجديد كنيسة مرقوريوس أبي سيفين.. ولكن هيهات !

* فالمؤرخة بُتشر أرخت أن ((وفاتهما كانت في نفس السنة)) طبعاً لم تصل إلى حقيقة أن الخليفة إختفى ولَم يتوفى!، وإن كانوا إختلفوا على تاريخ موته ونهايته ومحو تاريخه لتجاهل سيرته و المعجزة، رغم انها معجزة مثبتة بمراجع ومخطوطات منذ مئات السنين لمجرد الإختلاف الوهمي -المختلق- للتواريخ والذي يعود سببه للإختلاف بين التقويمين بمدة مقدارها أربعة سنوات. لهذا اختلاات تواريخ موت المعز وتواريخ تولي ابنه العزيز من 975 الي 979 م راجع لاختلاف التقويم. فمن الصعب أن تأتي الآن بتاريخ هجري لتحوله لما يوازيه بتاريخ ميلادي كان قبل سنة 1582 باليولياني وبعده بالغريغوري !!

*فالأقباط حتى الْيَوْمَ يصومون ثلاثة أيام أضافهم البابا إبراهام على صيام ميلاد المسيح ليصبح 43 يوماً بدلاً 40 يوما تذكاراً لأيام الشدة العظمى لأقباط مصر في عهد المعز، ألم يكن هناك مسيحي واحد أو مسلماً يعترض قرار البابا حين زوّد الثلاثة أيام لفضحه بأن هذه المعجزة لم تحدث؟ هذا لأن المعجزة كانت في الضمير الشعبي يتواترون تناقلها في البيوت المصرية ويحكيها الأب لإبنه عبر أجيال، حتى بدون أن يؤرخ لها؟!

*ولهذا قال مخطوط كتاب (التواريخ) طبعة بيروت 1903؛ لأبي شاكر بطرس المعروف بإبن الراهب وهو من مؤرخي القرن الثالث عشر وأرخ لهذه المعجزة بقوله: "فصلَّوا وللوقت تقطع الجبل ونزل في حضرة المعز وجميع الخلق وهذا الخبر مشهور"، فالمعجزة عياناً وجهاراً لأنها بمثابة معركة بين الخير والشر للإجهاز على الشعب القبطي وتصفيته بالشروط الإسلامية المعروفة! وجميع أهل القاهرة شاهدوها وشعروا بالزلزلة لهذا صار خبر هذه المعجزة ((مشهور)) كما ذكر إبن الراهب، فمن تكون لتأتي الْيَوْمَ لتنكر وتستنكر وتنفي بلا أدلة؟!

*و رغم أن المؤرخة مدام بتشر بروتستانتية و متحاملة في بعض الأحداث على أقباط مصر في كتابها، إلا أنها ذكرت معلومات وتفاصيل دقيقة تثبت صحة المخطوطات القبطية والمراجع خصوصاً مخطوطة ساويرس إبن المقفع.. فتقول عنه:

"وكان ذلك في عهد ساويرس المؤرخ أسقف الأشمونين، صاحب المؤلفات الكثيرة التي لم يطبع شيئ منها، وهذا الأسقف له "حوادث وأخبار"، نسقها بعد مماته الأسقف ميخائيل الذي كان أسقفاً لمدينة صان"بمديونية الشرقية".. وفِي ظني أنه يوجد منها نسخة كاملة الآن".

انتهى كلام بُتشر مع ملاحظة أنها ذكرت بدقة أن مؤلفات ساويرس ظلت مخطوطات قبطية ((ولَم تطبع منها شيئ)) وأن "حوادثه و أخباره" نسقها بعد مماته الأسقف الأنبا ميخائيل.

قالت "نسقها" أي أن هذه سيرته من (الحوادث والأخبار) كانت موجودة فعلاً في مخطوطات ومنتشرة في أديرة كثيرة، فالأنبا ساويرس لم يؤرخ سوى الفترة من تاريخ مار مرقس وحتى البابا ال 55 - حتى تنيح قبل أن يكمل باقي سير البطاركة، لهذا لم يؤرخ للبابا آبراهام ال 62. خلاف هذا تم تجميع المخطوطات عن سيرته من ديريّ أبو مقار وتنسيقها في عهد الأسقف ميخائيل أسقف تنيس، فهو الذي كتب (سيرة ساويرس والبابا إبراهام الـ 62 صاحب الأعجوبة التي تمت بصلاته، فأرّخ للعشرة بطاركة من ال 56 حتى ال 65) لتكتمل سيرة تاريخ البطاركة سنة 1051م أي بعد المعجزة ونياحة ساويرس بحوالي 72سنة، يعني كانت المعجزة ومازالت حيّة ومدونة في كتابات الأديرة وفي ذاكرة المصريين ولَم يخرج مصري واحد يكذب ما كتب لو كانت هذه السيرة غير صحيحة، فهي تقرأ علنية في السنكسار القبطي أثناء القداس!!

* ومعروف أن المؤلَف التاريخي للأنبا ساويرس كتبه باللغة القبطية وانتشرت منه خمسة نسخ بمصر وخارجها، وترجم للعربية مؤخراً. فهناك نقطة يشكك فيها غير المؤمن ويطرح سؤاله كيف للأنبا ساويرس وهو شاهد عيان ألا يؤرخ لهذه المعجزة بنفسه؟!

*معروف أن آباء الكنيسة حين يؤرخون لا يكتبون من خيالهم فهم ليسوا بشهود عيان ولا عاصروا كل البطاركة!! إنما يكتبون بتجميع السير المتناثرة والمدونة في كل الأديرة بمصر وتنسيقها وترجمتها فهو عمل شاق وجماعي ومرهق للتدقيق في كل كلمة فما قام به الانبا ساويرس من كتابة يشمل أيضاً تجميع كل مخطوطات الأديرة والكنائس وكتابات من سبقوه ومعه مساعديه الذين لم يُذكر أسمائهم، وهذا ما فعله الانبا ميخائيل اسقف تنيس حين دوَّن سيرة البابا إبراهام إبن زرعة صاحب المعجزة! فلا مجال لتشكيك السائل لأن المؤرخ الكاتب لا يكتب ما ينطق عن الهوى!

لهذا يقول الأسقف الأنبا ميخائيل في مقدمة تدوينه للعشرة بطاركة بمن فيهم سيرة البابا إبراهام بداية من تأريخ سيرة البطريرك ميخائيل الأول:(إن من الواجب يا أحبائى لأجل المحبة المسيحية أن نسطر ما آخر تسطيره مما كان فى البيعة الأرثوذكسية الذى شاهده وعرفه أوليك" أولئك" الرعاة فى كل جيل، وكانوا خداماً للكلمة وطلبت من الله سبحانه إعانة ضعفى أنا البايس " البائس" الخاطئ لأبتدئ وأجعل لسانى الناقص قلم سريع الكتابة لكى ما يتحرك بموهبة الروح القدس فأكتب ما سمعته وعرفته من الصادقين الذى يُقبل قولهم ونسلك منهاج من تقدمنا الذين نالوا النعمة، لأن هذا الأمر كان خطر ببالي أن أكمله وتشبهت بالمرأة الأرملة التى ألقت فى الخزانة الفلسين الحقيرين ولم يكن لها غيرهما فقبلهما الرب فاحص القلوب منها، ووجدت الذى تضمنته السير التى رتبها الآباء القديسين بقوة الروح القدس هو ما جرت عليه البيعة من زمان الأب القديس الإنجيلي مارمرقس البكر الطاهر الشهيد، و إلى زمان الأنبا سانوتيوس"شنودة الأول " هو الذى لحقه شدايد عظيمة حسب ما تضمنته سيرته ومن بعده الى زمان سانوتيوس الخامس والستون الذى وسمنى أنا الغير مستحق قساً لم يكتب شيئ من السير، فكتبت أنا البايس ميخائيل ذلك بمعونة الله سبحانه لى).

فمن يزعم أن الانبا ساويرس شاهد ماشافش حاجة أقول له وهل كل المؤرخين شاهدوا كل أحداث عصرهم وقاموا بتسجيلها في الحال ولَم يعتمدوا على كتابات من سبقوهم أو من عاصروهم ولكن في أمكنة أخرى ؟! ياللعجب على هذه البجاحة ! فماذا عن مراجع التاريخ فهل نقذف بها وتغرقها في النهر أم نحرقها كما فعل العرب الغزاة ؟! هل لا تقبل كتب التاريخ التي فرضوها عليك فرضاً في مناهج الدراسة رغم زيفها المتقن الصنع لتاريخ مصطنع !

كل التواريخ الميلادية وحتى الهجرية هي إجتهادات كتبت بعد مئات السنين اَي تم تحديدها و ربطها بأحداث هامة في وقت لاحق بما فيهم التاريخ الميلادي للأعجوبة ذاتها، وحين تتلاعب بالتواريخ وتتحجج بها فهذا لن يفيدك في الإعتماد عليها لنفى المعجزة وتنصير الخليفة لأن حجتك لا تمت للبحث الأكاديمي للباحث عن الحقيقة وليس المفبرك لها!

* ويشهد لتاريخ ساويرس المستشرقين الغربيين والمؤرخين الأجانب، فيقول الراهب القمص أرمانيوس البرماوي السرياني في صفحة 26 من كتابه "معجزة نقل جبل المقطم" عن كتاب تاريخ البطاركة لساريرس ابن المقفع:

"جمع أخباره من ديريِّ أبو مقار ونهيا مترجماً إياهما من القبطية إلى العربية، قال المرحوم والعلامة بتلر: وكتاب ساويرس عظيم الفائدة فيما يتعلق بتاريخ الكنيسة.. وأنه توجد من هـذا الكتاب ثلاثة نسخ. إحداها في المتحـف البريطاني والثانية في المكتبة الأهلية بباريس، والثالثة في حيازة سعادة مرقس باشا سميكة.

قلتُ وتوجد نسخة رابعة بدير القديس الأنبا بيشوى وهى أقدم من غيرها بكثير، كمـا توجد منه نسخة خامسة بالمكتبـة الملكيـة يتلوها تزييل عليها في سير البطاركة. وقـد حـصلت عليهـا دار الكتـب مـأخوذة بالفتوغرافية (ومحفوظة بدار الكتب برقم 6434 ). وقد طبعه افاتس بالعربية والإنجليزية"..

*ولعل سعادة مرقس باشا سميكة منشئ المتحف القبطي صرح في مقال له بتنصير الخليفة المعز وقد إعتمد وإستقى معلوماته من كتاب ألفريد بتلر، وكتاب "الخريدة النفيسة" للأنبا إيسيذورس، ثم تلاه بمقال ثاني بجريدة الأهرام بالإعتذار والتبرير للتخفيف من وقع الخبر الذي أشعل بمقاله الأول النار بين أوساط طبقة المثقفين في مصر سنة 1931: فذكر في مقاله الأول (أن المعز بعد حادثة المقطم تخلى عن كرسي الخلافة لإبنه وتنصر ولبس زي الرهبان وقبره إلى الآن في كنيسة أبي سيفين) مستنداً في كلامه بما جاء في مرجع للأنبا إيسيذورس وهو "الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة لسنة 1892، طبعة 1923م، حيث ذكر صفحة 224 تحت عنوان "المملكة والكنيسة - الجيل العاشر، رأس 2 : (قيل إن المعز بعد حادثة الجبل المقطم تخلى عن كرسي الخلافة إلى إبنه العزيز ولبس زىِّ الرهبان وقبره إلى الآن في كنيسة أبي السيفين).

* كما ذكر نفس هذا الكلام المسكوت عنه، المؤرخ الإنجليزي ألفريد بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر) الذي صدر سنة 1902م ولكن يؤخذ على كتاباته أنها كانت بشيئ من التهكم على الأقباط بأن لديهم أساطير ولكنه إستقى المعجزة وتنصير الخليفة إعتماداً على كتاب أخر للمستشرق وعالم اللاهوت أوزيب رينو دوت Eusèbe Renaudot.

* أما الكتاب الذي أثار إصداره ضجة كبيرة في مصر وهو (أقباط و مُسلمين منذ الفتح العربى إلى عام 1922م) فهو للدكتور جاك تاجر الدكتور فى الآداب من جامعة باريس، القاهره 1951 ص 121، فقد ذكر تاريخ وفاته في 976م تحت عنوان: (المعز لدين الله " 358 - 265هجرية" "969- 976م").. يقول:( أن نفوذ أبن كلس إذا صدقنا رواية المؤرخين النصارى إلى حادثة في غاية الغرابة، فقد أراد هذا الرجل أن يقلل من شأن الديانة المسيحية في نظر الخليفة.. وقد يتسائل الناس لماذا لم يخُط الخليفة الخطوة الأخيرة بإعتناقه الدين المسيحي؟ وفعلاً لم يرى المؤرخ القبطي مندوحة في ذلك. فأكد أن الخليفة المعز تعمد في المكان القريب من كنيسة القديس يوحنا وتنازل بعد ذلك عن كرسي الخلافة لإبنه "العزيز بأمر الله" وصرف أيامه الأخيرة في العبادة في أحد الأديرة وقد أعاد ذكر هذه القصة مرقس باشا سميكة أحد مؤسسي المتحف القبطي بالقاهرة، ولكن أحمد زكي باشا والأستاذ عبدالله عنان إحتجا بشدة على هذه الرواية.. ثم كيف أبدى الخليفة دهشته وأمر بإعادة بناء جميع الكنائس المخربة ثم أرسل فخاطب كبار الأقباط والعلماء المسلمين وأمر بقراءة الإنجيل والقرآن أمامه.. ألخ القصة المذكورة تفاصيلها في كتابه).

* يهمنا معرفة مصير الخليفة؟ ربما من خلال حادثة صغيرة وردت في مرجع " المواعظ والإعتبار" يذكر المقريزي حادثة هامة في الفصل 33 - ص 761:

"وقد حدّثني الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الفريابي عن أبيه‏:‏ وأنا أدركت شيئًا من ذلك وهو أنه ترافع في بعض الأيام طائفة من الحجارين إلى السلطان الملك الظاهر برقوق أعوام بضع وتسعين وسبعمائة وقد اختلفوا على مال وجدوه بجبل المقطم وهو أنهم كانوا يقطعون الحجارة من مغار فيما يلي قلعة الجبل من بحريها فانكشف لهم حجر أسود عليه كتابة فاجتمعوا على قطع ما بين يدي هذا الحجر طمعًا في وجود مال فإنتهى بهم القطع إلى عمود عظيم قائم في قلب الجبل فلعجلتهم أقبلوا بمعاولهم عليه حتى تكسر قطعًا فإذا هو مجوّف، وإنسان قائم على قدميه بطوله وتناثر لهم من جهة رأسه دنانير كثيرة فاقتسموها وتنافسوا في قسمتها واختلفوا حتى اشتهر أمرهم وترافعوا إلى السلطان فبعث من كشف المغار فوجد الحجر والعمود وقد تكسر، فأخذ منهم ما وجد بأيديهم من الدنانير ولم يجد من يعرف ما قد كتب على الحجر- وتسامع الناس بالخبر فأقبلوا إلى المغار وعبثوا برمّة الميت.. ألخ).

والسؤال لماذا حادثة السرقة هذه بالذات التي أرخ لها المقريزي؟! ولماذا وصلت للسلطان بالرغم أنها حادثة عادية والمفروض ان يحكم فيها قاضي عادي وليس سلطان مصر؟!

ولماذا لم يستطيعوا قراءة الكتابة المدونة على التابوت الحجري؟!

ولماذا يبعث السلطان من يكشف عن هذه المقبرة وما تحويه من تابوت حجري وعمود والعبث بجثة ميت، أليس للموتى حُرمة؟!

يؤرخ لهذه الحادثة بعد تاريخ وفاة المعز -المعلنة - بحوالي سنة 993م - 999م فتكون حادثة السرقة قد حدثت بعد حوالي 20 سنة من موت المعز، هذا ان كان تاريخ المقريزي بنفس تاريخ تدوين (تجديد) كنيسة مرقوريوس أبي سيفين التي تم تجديدها إثر حدوث المعجزة وهي بحسب مرجع تاريخ أبي المكارم قد تم تجديدها سنة 979م التي هي تبعاً للتقويم القديم اليولياني تكون قد تم تجديدها سنة 975 م وهي السنة التي إختفي المعز قرب نهايتها في شهر ديسمبر و توارى عن الأنظار وتنيح فيها البطريرك الأنبا أبراهام ابن زرعة السرياني .

جدير بالذكر أن الباحث‏ ‏الأثري جرجس‏ ‏داود كتب فى جريدة وطنى الصادرة بتاريخ 9/12/2005 م السنة 47 العدد 2294 عن: أيقونة‏ ‏من‏ ‏الخشب‏ ‏داخل‏ ‏مقصورة‏ ‏من‏ ‏كنيسة‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء‏ ‏الشهيرة‏ ‏بالمعلقة‏ ‏بمصر‏ ‏القديمة‏ ‏من‏ ‏القرن‏ ‏الخامس‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي‏ ‏تمثل‏ ‏الأنبا‏ ‏إبرآم‏ ‏بن‏ ‏زرعة‏ ‏بابا‏ ‏الإسكندرية‏ ‏رقم ‏62 ‏والقديس‏ ‏سمعان‏ ‏الخراز‏ ‏صاحب‏ ‏معجزة‏ ‏نقل‏ ‏جبل‏ ‏المقطم‏ ‏واقفين‏, ‏ويرتدي‏ ‏الأنبا‏ ‏إبرآم‏ ‏ملابس‏ ‏الكهنوت‏ ‏ويمسك‏ ‏في‏ ‏يده‏ ‏اليمني‏ ‏صولجانا‏ نهايته‏ ‏ثلاث‏ ‏شمعات‏ ‏وكأنه‏ ‏يصلي "إثنوتي‏ ‏ناي‏ ‏نان" بمعني‏(‏اللهم‏ ‏ارحمنا‏) ‏فيرد‏ ‏الشعب كيريالسون أى (‏يارب‏ ‏أرحم‏) ‏ويمسك‏ ‏بيده‏ ‏اليسري‏ ‏القديس‏ ‏سمعان‏ ‏الخراز‏ ‏الذي‏ ‏نراه‏ ‏بملابس‏ ‏مزركشة‏.‏. حاملا‏ً قربانتين‏ ‏ يمسكهما‏ ‏بيده‏ ‏اليمني‏, ‏وعلي‏ ‏الجانب‏ ‏الأيسر‏ ‏للصورة‏ ‏من‏ ‏أعلي‏ ‏نجد‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء‏ ‏داخل‏ ‏دائرة‏ ‏وتشير‏

‏بأصبعها‏ ‏تجاه‏ ‏الأنبا‏ ‏إبرآم‏.‏ رسم‏ ‏بغدادي‏ ‏أبو‏ ‏السعدني‏ ‏سنة ‏1176 للشهداء‏ ‏أي‏ ‏سنة‏ 1460 ‏ميلادية‏

وهذه الأيقونة إثبات مصور من القرن الرابع عشر على صدق معجزة نقل جبل المقطم .

وأختم بالآية فأقول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ"(رسالة غلاطية 6: 14).

المـــــــــــراجع:

(1)تذكر مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس مكتوبه بخط اليد أن جبل المقطم أطلق عليه أسم المقطع أو المقطب وسُمى بذلك لأن سطحه كان متساوياً أى متصلاً فأصبح بعد نقله ثلاث قطع واحده خلف الأخرى ويفصل بينهما مسافة لهذا أطلق على المقطم أسم المقطع أو المقطب وكل هذه الأسماء تعنى معنى واحد (صورة المخطوطة) . وقد ذكر أسم جبل المقطم على أنه جبل واحد فى جميع مراجع المؤرخين التى تؤكد أنه كان جبلاً واحداً ثم تقطع أو تقطب وقد ذكر الجبل المقطم فى كتب المؤرخين فيقول : أيمن بن خُرَيْم الأسدى (ت 80 هــ): " رَكِبْتُ مِنَ الْمُقَطَّمِ فِي جُمَادَى إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ البَرِيدَا " يقصد أنه سافر من مصر حيث كان عبد العزيز بن مروان واليا، إلى العراق الذى كان يتولاه أخوه بشر.

وقيل أن الجزء الذى نقل من المقطم هو جبـــل الجيوشى , وما زال المثل المصرى يردده العامة عند مواجهتهم أى مشكلة صعبة فى مصر وهو : " دا جبل الجيوشى أتنقل)

ويقول كُثَيِّر عزة (40 - 105هــ): تُعَالِي وَقَد نُكّبنَ أَعلامَ عابِدٍ بِأَركانِها اليُسْرَى هِضابَ المُقطَّمِ

ويقول منصور بن إسماعيل الفقيه (ت 306هــ) فى الثناء على الشافعى وعلمه: أَضحى بمصر دفينًا في مقطَّمِها نِعْمَ المُقَطَّم وَالمَدْفون في تُرْبِه

ويقول مُعَلّى الطائى (وهو من أهل القرنين الثانى والثالث الهجريين) فى رثاء جاريته وَصْف، وكان يحبها حبا شديدا فماتت ودفنت فى المقطم: " خَلَّيتِني فَرْدًا وبِـنْـتِ بـهـا ** ما كنتُ قَبْلَكِ حافلا وكـفـا

فَتَرَكْتُها بالرَّغْم فـي جَـدَث ** للرّيح يَنْسِف تُرْبَه نَـسْـفـا

دون المقطم لا ألـبـّسـهـا ** من زينةٍ قُرْطًا ولا شَنْـفـا

أسْكَنْتها في قَعْر مُـظْـلِـمةِ ** بيتًا يُصافِح تُرْبُه السـقْـفـا

بيتـًا إذا مـا زَاره أَحَـــدٌ ** عَصَفَتْ به أيْدِي البِلَى عَصْفا

وجاء فى "فتوح الشام" للواقدى (130- 207 هـ): "كان عمرو (بن العاص)... يقول: لا والذي نجاني من القبط. قال: وعاد الرسول وأخبر الملك بما قاله عمرو، فعند ذلك قال: أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها، فقال الوزير: اعلم أيها الملك أن القوم متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم بحيلة، ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الأحد، وهو عندهم يوم عظيم، وأرى لهم من الرأي أن تُكْمِن لهم كمينا مما يلي الجبل المقطم. فإذا دخلوا في صلاتهم يأتي إليهم الكمين ويضع فيهم السيف"، "ووجدنا معهما الخِلَع التي وجهها إليهم ابن المقوقس ففرقها خالد على المسلمين وفيها خِلْعَةٌ سنيّة، وكانت لمقدَّم القوم، فأعطاها رفاعة، وساروا حتى قربوا من الجبل المقطم فرأوا جيش القبط، فأرسل خالد رجلاً من قِبَله، وهو نصر بن ثابت، وقال له: امض إلى هذا الملك وقل له: إن العرب أصحاب مدين قد أتوا لنصرتك"، "فلما رفعت رأسي قال لي الوزير: يا أخا العرب، أَوَصَل أصحابك إلى نصرة الملك؟ فقلت: نعم، وهاهم في دير الجبل المقطم".

وفى "المعارف" لابن قُتَيْبَة الدِّينَوَرِىّ (213- 286 هـ) عن عمرو بن العاص: "وقُبِض وهو ابن ثلاث وسبعين سنة فدفن يوم الفطر بحبل المقطم في ناحية الفخ". وبالمثل ورد هذا الاسم عند مؤرخنا الكندى (ت 350 هـ ) فى المحاورة التى أوردها بين عمرو بن العاص والمقوقس قائلا إن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، سار في سفح المقطم ومعه المقوقس، فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام؟... إلى آخر الحوار. وبالمناسبة فهناك "مقطم" آخر فى فلسطين يقع قرب قرية بيت عنان وبيت لقيا،

بل آنه أيضاً ذُكر فى كتاب (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار) للمؤرخين: أحمد بن علي بن عبد القادر، الحسيني، العبيدي، المقريزي، تقي الدين، أبو العباس - الجزء الأول - الفصل 26 من 167 بالتحديد تحت عناون ذكر الجبال" وجبل المقطم‏:‏ يمرّ على جانبي النيل إلى النوبة ويعبر من فوق الفيوم فيتصل بالغرب"،

كما مذكور أيضاً فى نفس الكتاب و نفس الفصل: "ذكر الجبل المقطم اعلم انّ الجبل المقطم اوّله من الشرق من الصين حيث البحر المحيط ويمرّ على بلاد الططر حتى ياتي فرغانة الى جبال اليتم الممتدّ بها نهر السغد الى ان يصل الجبل الى جيحون فيقطعه ويمضي في وسطه بين شعبتين منه وكانه قطع ثم في وسطه ويستمرّ الجبل الى الجورجان وياخذ على الطالقان الى اعمال مرو الرود الى طوس فيكون جميع مدن طوس فيه ويتصل به جبال اصبهان وشيراز الى ان يصل الى البحر الهندي وينعطف هذا الجبل ويمتدّ الى شهر زور فيمرّ على الدجلة ويتصل بجبل الجوديّ موقف سفينة نوح عليه السلام في الطوفان ولا يزال هذا الجبل مستمرًّا من اعمال امد وميافارقين حتى يمرّ بثغور حلب فيسمى هناك جبل اللكام الى ان يعدّي الثغور فيسمى نهرًا حتى يجاوز حمص فيسمى لبنان ثم يمتدّ على الشام حتى ينتهي الى بحر القلزم من جهة ويتصل من الجهة الاخرى ويسمى المقطم ثم يتشعب ويتصل اواخر شعبه بنهاية الغرب‏" و مذكور أيضاً : "والذي ذكره العلماء‏:‏ انّ المقطم ماخوذ من القطم وهو القطع فكانه لما كان منقطع الشجر والنبات سمي‏:‏ مقطمًا ذكر ذلك عليّ بن الحسن الهناءي الدوسي المنبوذ بكراع وغيره‏،

كما أن مارك بولو الرحالة المشهور عالمياً قد سجل هذه المعجزة.

https://drghaly.com/articles/display/11307

(2) كان الجبل قبل نقله على حدود بركة الفيل ولم تكن بركة ملآنه ماء بالمفهوم الحالى بل كانت أرضاً زراعية يغمرها مياه الفيضان كل سنة – وفى سنة 1902 م هدمت السراى التى كانت موجوده بها وقسمت أراضيها وأقيم عليها عمارات جديدة , وتعرف الآن بالحلمية الجديدة , وموقعها الحالى من شمال سكة الحبانية ومن الغرب شارع الخليج المصرى , ومن الجنوب شارع مراسينا ثم أول شارع نور الظلام إلى أول شارع الألفى , وأما سبب تسميتها بركة الفيل , فهو لأن الأمير خماروية كان مغرماً بإقتناء الحيوانات من السباع والفيلة والزرافات وأنشأ لكل نوع منها داراً خاصاً بهذا المكان (راجع كتاب "النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة" للأتابكى - الجزء الثالث - ص 356 , 366).

ومن المراجع الإسلامية القديمة والهامة كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" - المؤلف: أحمد بن علي القلقشندي- الناشر :دار الفكر - دمشق - الطبعة الأولى 1987، تحقيق : د.يوسف علي طويل عدد الأجزاء : 14 - الذى ذكر أن جبل المقطم كان بجانب الفسطاط وعندما تذهب إلى الفسطاط اليوم لا تجد جبلاً وهذا ما يهمنا من هذا المرجع ولا يهمنا من أين جاءت كلمة المقطم فذكر: "ويسمى ما سامت الفسطاط والقرافة منه المقطم وربما أطلق المقطم على جميع المقطم وقد اختلف في سبب تسميته بذلك فقيل سمي باسم مقطم الكاهن كان مقيما فيه لعمل الكيميا وقال أبو عبد الله اليمني سمي بالمقطم بن مصر بن بيصر وكان عبدا(جـ 3/ص340) صالحا انفرد فيه لعبادة الله تعالى.. وذكر الكندي في كتاب "فضائل مصر" ما يوافق ذلك وهو أن عمرو بن العاص رضي الله عنه سار في سفح المقطم ومعه المقوقس فقال له عمرو ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام فلو شققنا في أسفله نهراً من النيل وغرسناه نخلاً فقال المقوقس وجدنا في الكتب أنه كان أكثر البلاد أشجاراً ونبتاً وفاكهة وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام فلما كانت الليلة التي كلم الله تعالى فيها موسى عليه السلام أوحى الله تعالى إلى الجبال إني مكلم نبيا من أنبيائي على جبل منك فسمت الجبال كلها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر فأوحى الله تعالى إليه لم فعلت ذلك وهو به أخبر فقال إعظاما وإجلالا لك يا رب فأمر الله تعالى الجبال أن يحيوه كل جبل مما عليه من النبت فجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقي كما ترى فأوحى الله تعالى إليه إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غرس الجنة وأنكر القضاعي وغيره أن يكون لمصر ولد اسمه المقطم وجعلوه مأخوذا من القطم وهو القطع لكونه منقطع الشجر والنبات ".

(3)أيريس حبيب المصرى "قصة الكنيسة القبطية" جـ 3 - ص14وسمعان الإسكافى - مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس.

https://mechristian.org/2012/02/15/mokatam-manuscript/

(4) عندما كان سمعان يقوم بعمله كإسكافى, أتت إليه إمرأه لتصلح نعل رجلها, وكانت جميلة الصورة , وعندما خلعت نعلها نظر إلى ساقها فنظرت عيناه إليها بشهوة, فأنبته نفسه فضرب المخراز فى إحدى عينيه فأفرغها تنفيذاً لوصية الرب: "إن كانت عينك اليمنى تعثرك فغقلعها عنك, لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله فى نار جهنم"(مت 5: 28 , 29) ذكر ما سبق فى مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس – قد يقال أن سمعان الخراز تصرف بطريقة حرفية لا تصح إلا أن هذا لا تنقص من قداسته لبساطته وإخلاصه وامانته فى تنفيذ هذه الوصية كما أنه برهن على طهارته ونقاوة قلبه ورفضه للخطية التى تمكنت منه فى لحظه ضعف كما أنه لم ينظر إلى المرأه بعين واحدة وإنما الإثنين فإنه أرد أن يعاقب نفسه على هذه النظرة الشريرة التى إقتربت من الشهوة إلى حد أنها أصبحت فى حد ذاتها شهوة.

(5)مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس.

https://mechristian.org/2012/02/15/mokatam-manuscript/

(6) قال أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود صاحب كتاب "الكنائس والأديرة" فى مخطوطه: "ولما شرع البطريرك فى إعادة بناء الكنيسة هاج رعاع المسلمين وإعترضوه بدعوى أنها تخربت منذ مده طويلة ولم يبق منها سوى بعض الجدران الآيلة للسقوط وقد جعلها المُسلمون مخازن لقصب السكر ولكنهم كفوا عن المقاومة عندما علموا أن الذى امر ببنائها هو الخليفة نفسه وان الخليفة حضر اثناء ذلك وأمر الخليفة ايضاً بصرف كل نفقات البناء من خزينة الدولة فأخذ البطريرك الدراهم وردها إلى خزينة الحكومة وإلتمس أن يقبلها منه ثانية ولا يجبره على قبولها قائلاً: "إن الذى نبنى له الكنيسة قادر أن يساعدنا حتى نتممها وهو غير محتاج إلى مال العالم".

هل معجزة نقل جبل المقطم حقيقة تاريخية.

فيلم القديس سمعان الخراز

من هو سمعان الخراز؟ كيف نقل جبل المقطم؟

 

للمزيد:

القديس عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ اَلْأَسَدِيِ

لماذا أعفى شيخ الأزهر الدكتور محمد محمد الفحام {عبد المسيح الفحام} من منصبة ؟

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح هو خالق كل البشر

القديسة المسيحية "بنين أحمد قطايا" التى أسلمها المطران لحزب الله الإرهابي

طهَ حُسين وعبوره من الظلمة لنور المسيح

ماذا يعني الصليب بالنسبة لك؟ اعتناق حياة جديدة الحلقة 01 (AR)

يوجد قوة في دم يسوع - اعتناق حياة جديدة الحلقة 20 (AR)

إله الإسلام صنم يستدعيه محمد وقت حاجته

كيف تصنع قنبلة بشرية ؟

القرآن آجندة الشيطان لقتل كل البشر

إِلْهَاً وَحْشِيًّا يَلدْ أُمْة من اَلْقَتَلة

أبجدية الإرهاب الإسلامي