Arabic English French Persian
الروح القدس في القرآن

سامح عسكر

  

في سؤال لصديق عن معنى "روح القدس" في القرآن وهل هو جبريل أم لا؟

قلت: الشائع في كتب التفاسير هو جبريل لكن حدث الاختلاف منهم من قال هو الإنجيل أو دعاء سري كان يحيي به المسيح الموتى، لكن قوله تعالى "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا "[النحل : 102] لا يمكن يكون معناها إنجيل لأن الخطاب للرسول محمد، وكذلك ليس دعاءً سريا لأن التثبيت والحشد المعنوي يلزمه فهما وبساطة في القضية..

رأيي أن الخلاف فيها لا يضر والتعصب لمعنىً واحد يضر أيضا..

واجتهادي الشخصي أن كلمة "روح القدس" مرادفها "روح الله" وهي وصف لقدرة الرب الإلهية في الكون والتي منها خرجت النفس العاقلة للإنسان أصل التكليف، فيصبح بالتالي قوله تعالى "وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس "[البقرة : 253] يعني أيدناه بقدرتنا وحفظناه بعنايتنا العالِمه بأحواله، ولأن الكلمة أكثر ما قيلت في حق الأنبياء كانت في حق عيسى نفهم لماذا كان النبي عيسى أكثر الأنبياء معجزات وقدرات مختلفة لأنه في الحقيقة مؤيد (بروح الله) أي قدرته.

أما القول أنه جبريل فسيكون إشكالية عقدية، روح الله أو القدس يعني وجود اتصال بين جبريل والله من حيث الطبيعة أو الجوهر وهي نفس المشكلة الكلامية التي أحدثها الفقهاء من كلمة "روح الله" ومن أجلها قال المعتزلة أن القرآن مخلوق أي حادث فلو كان قديما برأيهم قدم الذات يصبح هناك اتصالا بين الله والمسيح في الجوهر لتساوي الذات الإلهية مع روحها في الرتبة..

فمعنى أن جبريل هو روح القدس إذن يوقعنا في عدة أخطاء:

أولا: الملائكة بنص القرآن عباد مكرمون لا فضل لواحد منهم على آخر، والجميع متساوي الرتبة لنفي التكليف وإجبارهم بالعبادة، أما التفاضل فمن سمات الاختيار وحرية الإرادة، هنا يصبح القول أن جبريل أفضل الأنبياء أو أنه روح الله / القدس يطرح السؤال مباشرة: ما الذي فعله جبريل ليستحق تلك المكانة؟

ثانيا: لو قلنا أن جبريل هو روح القدس سيكون حسب فهم جمهور الفقهاء هو قديم قدم الله نفسه، ولا يمكن حمل المعنى على المجاز..فروح الله ضمن سورة يوسف تعني رحمته وعفوه "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" [يوسف : 87] فهل إخوة يوسف قنطوا من جبريل والمسيح هنا أم من رحمة الله في الحقيقة؟

ثالثا: الله لا يفضل ملاكا على غيره إنما يصطفي منهم لوظائف كما في قوله تعالى "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير " [الحج : 75] والاصطفاء الوظيفي لا يعني تمييزا أو اختلافا في قدرات المصطفين، كما لو كنت مديرا لشركة مثلا وأردت فلانا أن ينجز مهمة..فهل هذا يعني أنه الأفضل مطلقا أم أن المهمة المطلوب إنجازها لا يلزمها سوى شخص واحد؟

الثابت أن صفات الله جميعها في القرآن هي صفات ذات وصفات فعل، والرحمة صفة فعل مضمنة في قدرة الله الأزلية، بالتالي فروح الله أو القدس هنا تفهم بمعنى القدرة الكلية للرب والتي قد تكون منها رحمة وهي المعنى المستفاد من نزول الرسالات في المعتقد الغنوصي الصوفي، أن الله أرسل أنبيائه رحمةً بالخلق وإرشادهم طريق الصواب من مرجعية الحب الذي فهمه هؤلاء من تمدد الكون ونمائه ورهن بقائه في العمل الصالح ودماره بالشرور..

مع ذلك توجد إشكالية في هذا التفسير، وهي أن القرآن في آيات أخرى يحكي نشاط الروح والملائكة معا كجواهر مستقلة، منها "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" [المعارج : 4] و"يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" [النبأ : 38] و "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر" [القدر : 4] أصبحت الروح هنا جوهر عاقل وليست صفة للرب، وأيضا هي جوهر مختلف عن الملائكة يعزز ما قلناه أنه ليس جبريلا وإلا قيل "تنزل جبريل ومن معه بإذن ربهم" وفي هذا المعنى حضور لغوي بتعريف الروح وعدم تركها نكرة..مما يعني أنها ذات مستقلة عن الملائكة هي ليست جبريل كما قلنا لكنها في ذات الوقت ليست قدرة إلهية..

عرضنا هذه الرؤية على المخالف قال: إشكالية توقفك في معنى الروح مجردا ونفيك أنها جبريل لا يستقيم لأن المعنى واضح في آية التحريم، قال تعالى "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة "[التحريم : 4] هنا تفريق بين جبريل والملائكة ليس إقرارا باختلاف النوع والجنس بل باختلاف الدرجة، وذكر جبريل مع الروح بالعطف لا يختلف عن ذكر الروح مع الملائكة بالعطف، وفي الآية قرينة أن الروح في الآيات الثلاث السابقة تعني جبريل، وأما دلالة ذكر هؤلاء جميعا فهو من ناحية تراتبية من حيث القدرة، فالله يقول أنه حفيظا بنفسه ثم جبريل والصالحين والملائكة، مما يعني أن جبريل له قدرة مختلفة عن بقية الملائكة والصالحين بالطبع..

قلت: هنا تعمقت الإشكالية حتى بلغت عقدة المرض في الظاهر، لكن في الحقيقة أن تراتبية القدرة أعلاه ذكرت على وجه الإجمال في ذكر القدرة الإلهية..فمما لا شك فيه أن قدرة جبريل والملائكة والصالحين هي من قدرة الرب، والقول بالتراتب هنا تعديد وتقسيم للقوة الإلهية لا يجوز شرعا وعقلا، فالإله القوي لا يتجزأ..وبالتالي آية التحريم تقول أن ما دون الله من قوى ستكون مولىً للظالمين هم جنود مجندة مصداقا لقوله تعالى "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها" [التوبة : 40] معنى الجندية هنا صفة لجواهر القوة السابقة التي هي مستقلة عن الله في الجوهر لكن قدرتها ممكنة الوجود يصبح بالتالي ذكرها نظماً في الآية بمعنى الجندية..

أما أن الروح هو جبريل فلا يمكن للمرة الألف لقوله تعالى "ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده" [النحل : 2] فمن هم الملائكة الذين نزلوا بجبريل على حد قولك؟..وإذا كان جبريلا أكثر قوة وقدرة فلماذا لا يكون العكس أي "ينزل جبريل بالملائكة من أمره على من يشاء"..إن المؤكد فورا أنه في حال تفسير الروح بالقدرة والقوة الإلهية المطلقة يصبح المعنى مستقيما واضحا، فالملائكة نزلوا بقوة الله وقدرته على من يشاء من عباده، وفي قوله تعالى "رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق" [غافر : 15] دليلا إضافيا على أن الروح ليس جبريل..وأنها في ذلك السياق تعني الرسالة والنبوات المدعومة بالقوة الإلهية التي تنذر الناس وتذكرهم بيوم القيامة..

أما قوله تعالى "نزل به الروح الأمين " [الشعراء : 193] فلو كان جبريلا هل يصح القول أنه تعرض لاختبار كي يثبت أمانته؟..فإذا لم يكن فعلى ماذا الوصف؟ إن جبريلا من الملائكة أم لا؟ فإذا كان..هل ينطبق عليه قوله تعالى "عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" [التحريم : 6]؟..أم أن السمع والطاعة هنا صفة لملائكة النار خصيصا وجبريل ليس منهم؟ وأما تفسير آية الشعراء فهو مرتبط بتفسير آية مريم "فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا" [مريم : 17] ويبقى السؤال ما الروح الذي نزل بالرسالة ووصف بالأمانة ومن الذي أرسل لمريم بصورة بشر؟

الجواب : في قوله تعالى "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا "[التحريم : 12] و "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين" [الأنبياء : 91] هنا تأكيد مكرر أن روح الله ليست جبريل، بيد أن الروح المنفوخة ليست جوهرا مستقلا عن الله، بل هي قدرة..فإذا كان النفخ فعلا من الرب فهو صفة له، بالتالي لو كانت الروح جبريل لأصبح جبريلا صفة للرب..وهذا لا يستقيم، وتبقى إشكالية معنى الأمين كصفة للروح وبرأيي هي من الأمن لا الأمانة..الروح الأمين هي القدرة الإلهية الضامنة لأمن وأمان الناس ومرجعية الرسالات دوما..فالإصلاح يتطلب قوة حق عادلة تفرض الأمن الاجتماعي والإنساني هي المعين لمن يأخذ بأسبابها..

مثلا كل من يأخذ بأسباب القوة اللازمة لفرض الأمن ويسعى لحماية الناس يكن له ذلك، مثل قوله تعالى على لسان ابنة شعيب على موسى "إن خير من استأجرت القوي الأمين" وهي لم تختبر بعد أمانته بل قوته في خدمتهما، وعليه فلفظ الأمين يعني الذي يوفر لها الأمن ، حتى لفظ الأمانة الوحيد المذكور في القرآن ليس بمعنى الأمانة في صدق الوعود والعهود..بل من الأمن وخلافة الله في أرضه ببنائها وعمارها في قوله تعالى "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" [الأحزاب : 72] والسؤال الفوري: لو كانت الأمانة هنا بمعنى الصدق والوفاء وحفظ العهود..فهل السماوات والأرض والجبال مكلفين عاقلين ليحملوها؟..فإذا لم يكن.. على ما إذن عرضها الله عليهم؟

هنا يصبح تكليف الله للإنسان بحفظ أمن الكوكب معقولا، فهو الذي حمل الرسالة ببناءه وحفظه، لذا كان جوهر الرسالات هو الإصلاح البشري ووقف جميع الشرور ونتائجها المحتملة على أمن البشرية والكائنات، وعليه أصبح كل فعل شرير مؤذٍ للطبيعة والكائنات مخالف لجوهر الرسالة حتى لو حدث ذلك تحت اسم الإسلام..!

نعود لتفسير روح القدس بقوله تعالى في سورة الشورى"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا "..[الشورى : 52] هنا الروح ظهرت طاقة إلهية تمكن الإنسان من العلم والهداية لطريق الرب، بينما تفسير الروح بجبريل كما هو شائع هو طاقة إلهام لفظي فقط لا طاقة وعي وإدراك، فجبريل عند الفقهاء هو مجرد رسول أمين لا مُعلّم متمكن، وبالتالي نخلص لنتيجة نهائية أن روح القدس جاءت غير معرفة لسبق تعريفها بالروح سابقا إما نسبا لله وإما مجردة وتعني في كل أحوالها ب (الطاقة – القدرة – القوة) الإلهية التي تتشكل في أحوال متعددة حسب السياق..

فروح القدس التي أيد الله بها عيسى هي قوته وقدرته المطلقة الإلهية في إحياء الموتى وعلم الغيب وخلق الكائنات من الطين..وغيرها، وفي ذلك خصيصة مفردة ووحيدة لعيسى لا تكون لأحد غيره، والدليل أن تأييد هذه الروح في القرآن لم يأتِ سوى لعيسى، فلو كان روح القدس جبريل فقد نزل به على سائر الأنبياء فلماذا خص التأييد والدعم بتلك الروح على نبيٍ واحد بتلك المؤهلات والمعجزات، أما الروح الأمينة التي نزلت على النبي بالرسالة فهي أمر الله بالتكليف والأمن لما يعلمه الله في مستقبل الرسول بتحرش وأذى القرشيين له في حال إعلانه الدعوة، ويؤكد ذلك قوله تعالى "والله يعصمك من الناس" [المائدة : 67] دلالة على أمانة وقوة الروح الإلهية وقدرته في حفظ أنبيائه لكي يطمئنوا ويعلنوا عن دعوتهم بشجاعة..

أختم أن مفهوم الروح هو مفهوم ديني قديم منذ الأديان البدائية الأولى..ففي حضارة المصريين القدماء عرفوه باسم "با" ورسموه على شكل طائر يغادر الجسد بعد وفاته..من هذا التفسير ورث المتدينون معنى الروح بأنها سر الحياة، أما العلم فلا يعرف لفظ الروح ولا معناه المتداول بل يقول أن أسباب الموت مادية بحتة، وتعدد أشكال الموت من إغماء لموت إكلينيكي لموت نهائي له تفسيراته المعتمدة والمفهومة في الطب، وبناءً عليه توصلوا لعلاجات مختلفة وأمصال تنقذ المرضى، وبرأيي أن تفسير الروح القرآنية بهذا الشكل وما يتعلق بها من "روح القدس وروح الله" يخلص إلى عدم تعارض مفهوم الروح القرآني مع العلم..لكن لا يعني ذلك ذكره في مقام الإعجاز كما يفعل دراويش ومخرفي هذا المجال..

أما روح القدس في الأديان المسيحية واليهودية.. ومعاني الروح في بقية الأديان وتصور البشرية لها فأرجئه لمناقشة أخرى، ويبقى هذا الاجتهاد قابلا للصواب والخطأ.

 

ما المقصود بـ"رُوح القُدُس"؟ - الشيخ صالح المغامسي

 

ما هو روح القدس؟

 

من هو روح القدس في الأسلام؟

 

للمزيد:

تضارب أقوال كاتب القرآن حول ميلاد المسيح

هل الضمير الإنساني هو ذاته الروح القدس؟

هل تكلم الكتاب عن نبي بعد المسيح؟

هل المعزي (البارقليط) في الانجيل هو محمد ؟

من هو النبي الكذاب بحسب الكتاب المقدس؟

مُحاكَمَة صَلعَم مُدَّعِي النَبُوة... مَطلَبٌ وَنَصرٌ للإنسانِية

إله القرآن الكذاب أبو كل كذاب

الإسلام عقيدة أيدولوجية أخطر من النازية والفاشية وعلى الجميع كشفها ومحاربتها - المقدمة

الإسلام سَلامٌ وَرَحْمَة.. وَلَنا فِي الوَلاءِ وَالبَراءِ عِبْرِةٌ

الفَاشية أمس و اليوم

البارانويا والإسلاموية

عنصرية النصوص القرآنية .. ونهجه في أستعباد العباد

ما السر.. اوربا تكافح النازية.. وتدعم الاسلام

بالفيديو "إبراهيم عيسى" من أين يأتي الإرهاب وكيف يتم تصنيع العقلية الإرهابية ؟

كيف تصنع قنبلة بشرية ؟

القرآن آجندة الشيطان لقتل كل البشر

إِلْهَاً وَحْشِيًّا يَلدْ أُمْة من اَلْقَتَلة

أبجدية الإرهاب الإسلامي

معمودية الروح القدس‬

د. ايمن سرور

يتعامل الله معنا بنعمته الفائقة لانه اله مُحِب، وهو يريد الخير والرحمة لأولاده ان كان بالخلاص الذي وهبنا اياه بالإيمان، وجميع عطاياه الصالحة ان كانت روحية او مادية.

من اعظم العطايا التي وهبنا اياها الله هي روحه القدوس، وكما نقرأ في الانجيل ان روح الله لن يكون فقط معنا بل وساكن فينا ايضًا.

ففي كتاب اعمال الرسل 8:1 نقرأ وعد الرب للكنيسة بحلول الروح القدس:

"لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في اورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى اقاصي الارض".

تكرر أسم "الروح القدس" في سفر اعمال الرسل ما لا يقل عن 58 مرة، وهذا يدل على اهمية روح الله لنا ككنيسة الله وجسده، ولكن ايضًا بشكل فردي لكل واحد منا.

في الاصحاح الثاني من اعمال الرسل نقرأ عن تحقيق وعد الله لشعبه وللكنيسة الاولى، بحلول الروح في يوم الخمسين، وكيف صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم السِنة منقسمة كانها من نار واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلمون بالسنة أخرى كما اعطاهم الروح ان ينطقوا.

هناك من يُعَلِّم ويقول باننا نحن ننال الروح القدس وقت عماد الماء، ولكن السؤال هو هل عندما حل الروح القدس على الكنيسة الاولى، كانوا يمارسون خدمة معمودية الماء؟

هذا الامر لم يذكره لوقا هنا في الوحي الالهي، بل ومن الممكن ان ينال المؤمن عماد الروح القدس والتكلم بالالسن قبل عماد الماء، وهذا ما حدث مع المؤمنين من الامم عندما كان بطرس يتكلم عن غفران الخطايا بالايمان بيسوع المسيح، حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة، وهذا ما قاله بطرس في الاصحاح العاشر من اعمال الرسل:

"اترى يستطيع احد ان يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن؟" الرب يصنع كما يشاء، يعمد بروحه القدوس كل قلب وكل مؤمن يطلب هذه العطية المباركة على حساب النعمة، قبل معمودية الماء او بعدها؟ نحن لا نعلم، هو الرب وحده يصنع ما يشاء وما يحسن في عينيه.

في اعمال الرسل 23:11 نقرأ عن اهمية الروح القدس في حياة المؤمن، مثل برنابا (اي ابن الوعظ، التشجيع) الذي لما رأى نعمة الله وخلاص النفوس فرح، ووعظ الجميع ان يثبتوا في الرب بعزم القلب، لانه كان رجل صالح وممتلئًا من الروح القدس والايمان.

وما احوجنا جميعاً بهذه الايام لعمل الروح القدس فينا ومن خلالنا، وان نكون مؤمنين مشجعين وغير محبطين للآخرين، لانه هذا هو عمل الروح القدس الذي يعين ضعفاتنا، ونحن ايضا نعين ضعفات اخوتنا المؤمنين بعمل وشدة الروح القدس.

ومهما عرفنا الكتب واعتقدنا اننا نعرف "كل شيء"، واننا قادرين على كل شيء، نُدرك اننا محدودي المعرفة والمواهب والقدرات، ولولا نعمة الله ومحبته لنا جميعا لضعفنا وخُرنا في الطريق.

وهذا ما يمكننا إدراكه من حياة رجل يهودي باسم ابلوس، رجل فصيح مقتدر في الكتب، كان هذا خبيرا في طريق الرب. وكان وهو حارٌ بالروح يتكلم ويُعلم بتدقيق ما يختص بالرب، عارفًا معمودية يوحنا فقط.

وهو الذي كان يُجاهر في المجمع، ولما سمعه اكيلا وبريسكلا اخذاه إليهما، وشرحا له طريق الرب باكثر تدقيق.

فمهما عرفنا عن الامور الروحية والكتب السماوية، فنحن دائما بحاجة لاكثر، ونحن لم ندرك النهاية بل نحن جميعاً في مسار الايمان، وبحاجة ان نتعلم احدنا من الآخر، من اكيلا ومن برسكيلا، نتعلم من الاخوة، ومن الاخوات ايضا.

تكلم بولس الرسول عن اهمية وعمل الروح القدس في حياتنا، وهذا ما نقرأه عندما تحاور مع المؤمنين من افسس، بسؤاله اياهم:

"هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ قالوا له: ولا سمعنا انه يوجد الروح القدس ". (سفر اعمال الرسل 2:19).

نقرأ هنا عن مجموعة من المؤمنين، معتمدين بالماء، لكنهم لم يسمعوا عن الروح القدس.

لكن عندما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأون. وهذا الوعد لم يكن فقط للكنيسة الاولى وللرسل الاولين، بل الذي وعد صادق وامين بان يهب روحه القدوس كما قال:

"وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بالسنة جديدة، يحملون حيَّات، وان شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم، ويضعون ايديهم على المرضى فيبرأون". (مرقس 17:16).

نعم الوعد قائم ليومنا هذا، لان يسوع المسيح هو هو امسًا واليوم والى الابد.

وبخ بولس الرسول المؤمنين في غلاطية لانهم حولوا انظارَهُم عن النعمة وركزوا على اعمال الناموس. ففي غلاطية الاصحاح الثالث يقول الرسول:

"اريد ان اتعلم منكم هذا فقط: ابأعمال الناموس اخذتم الروح ام بخبر الايمان ؟".

ويستمر قائلاً: ابعدما ابتدأتم بالروح تُكَمَّلون الان بالجسد؟

هذا امر هام جدا علينا ان ندركه، اننا نحن قبلنا الروح على حساب النعمة وليس اعمال برنا، كذلك نحن نكمل حسب مشيئة الله لنا فقط على حساب النعمة وقوة عمل الروح القدس العامل فينا.

كذلك نحن المؤمنين، قد خُتمنا بروح الموعد القدوس، الذي هو عربون ميراثنا، لفداء المُقتنى، لمدح مجده. (افسس 13:1).

احد الامور الهامة جدا في حياتنا هو ثمار الروح القدس، التي وعد بها الله لكل مؤمن حقيقي تائب عن خطاياه.

ففي غلاطية 22:5 نقرأ عن ثمار الروح التي هي:

" محبة فرح سلام، طول اناة لطف صلاح، ايمان وداعة تعفف ".

فان قلنا ان روح الله ساكن فينا، فعلينا ان نرى هذه الثمار تنمو مع مَر السنين في حياتنا الروحية، لان هذه هي مشيئة الله، ان نكون مشابهين صورة ابنه القدوس، بعمل الروح القدس.

نقرأ في رسالة بولس الرسول الاولى الى اهل كورنثوس الاولى إصحاح 12، عن المواهب الروحية التي يعطيها الروح القدس للكنيسة، ولكنه لكل واحد يُعطى اظهار الروح للمنفعة، اي لخدمة الكنيسة والاخوة. وهذه المواهب هي: "حكمة، عِلم، أيمان، مواهب شفاء، قوات، نبؤة، تمييز ارواح، انواع السنة ولآخر ترجمة السنة." ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده، كما يشاء.

نقرأ في انجيل يوحنا الاصحاح الرابع والخامس عشر، عن اسماء اخرى ووظائف للروح القدس. ففي يوحنا 16:14 يقول يسوع:

"انا اطلب من الآب فيعطيكم مُعزيًا آخر، ليمكث معكم إلى الابد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم ان يقبله، لانه لا يراه ولا يعرفه، واما انتم فتعرفونه لانه ماكث معكم ويكون فيكم".

وفي يوحنا 26:14 يؤكد على اهمية الروح القدس لنا بانه المعزي، الذي سيرسله الآب باسمي (باسم يسوع)، فهو يُعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم. روح الله يعزينا في احزاننا وضيقاتنا بل وسقطاتنا ايضا، وهو الذي يثبتنا بالحق الالهي لكي لا نزوغ عنه، وننحرف عن الحق الالهي بكل روح تعليم باطل، الذي لا يطابع تعاليم الرب يسوع المسيح ورُسله في الأناجيل والرسائل.

وعندما نكون ثابتين في الحق الالهي وتعاليم الرب يسوع، نستطيع عندها ان نشهد عنه بحياتنا وتصرفاتنا، قبل كلامنا وتعاليمنا.

أمر آخر يرشدنا ويقودنا به الروح القدس هو الصلاة.

ففي رومية 26:8 نقرأ ان الروح ايضا يعين ضعفاتنا، لاننا لسنا نعلم ما نصلي لاجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها.

ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لانه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين.

من الممكن ان يكون عندنا ايمان لينقل الجبال، لصنع الآيات والعجائب، للتكلم بالالسنة وترجمتها بل ويكون لنا نبوَّةٌ ايضاً، وان نصنع اعمال حسنة، ولكن كل هذا يكون باطلًا ان لم يسكب الروح القدس محبة الله في قلوبنا، لكي نحب الله من كل القلب، نحب اولاده بل وجميع خليقته ايضًا.

شاهد

حلول الروح القدس على تلاميذ الرب يسوع

 

مشهد حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين

إقرأ المزيد:

هل الضمير الإنساني هو ذاته الروح القدس؟

هل تكلم الكتاب عن نبي بعد المسيح؟

كيف خلق الله الإنسان على صورته؟

هل المعزي (البارقليط) في الانجيل هو محمد ؟

الوهية المسيح في التوراة والإنجيل والقرآن – جـ 1

الوهية المسيح في التوراة والانجيل والقرآن – جـ 2

يسوع المسيح هو هو، أمسًا واليوم وإلى الابد...

هل الضمير الإنساني هو ذاته الروح القدس؟

د.إيهاب ألبرت

  

سألني صديقي المتشكك:

أنتم تقولون أن هناك الروح القدس، وهو من ينبه الإنسان إلى خطيته ويطلق ضربات إنذاره عندما تقع في ما يغضب الله. لكن أليست هذه هي مشاعر الشعور بالذنب التي تنبع من الضمير في الإنسان العادي؟ إنه ما يسمونه علماء النفس "الأناء الأعلى" الذي يسكن نفس الإنسان ليحاسبه على كل أفعاله.

   لقد تعاملت مع معتنقي الديانات البوذية والهندوسية ووجدت فيهم من يحمل ضميرًا إنسانيًا يقظًا وحساسًا أكثر من المؤمنين الذين يدعون سكنى الروح القدس في قلوبهم! فما الفرق إذن؟ إن الروح القدس الذي تتحدثون عنه هو شيء وهمي دون أن تدركوا أنه الضمير الإنساني الطبيعي.

   الرد:

   وللرد على هذه الشكوك، لابد أن نفهم ما هو الضمير الإنساني وما الفرق بينه وبين الروح القدس، وصوته في داخل قلب الإنسان. لكي ندرك أيضًا كيف يعمل الروح القدس أيضًا في ضمائرنا.

   الضمير الإنساني:

   إن الضمير هو القاضي والحاكم الذي يكمن في داخل نفس الإنسان لكي يميز أمور الحياة ويفصل بين الخطـأ والصواب. هو جهاز مراجعة النفس الذي يراجع الأفعال والأقوال ويبلغ الإنسان بحكمة على ما فعله.

   يتكون كيان الإنسان من روح ونفس وجسد. والروح هي المنصة الإلهية للحياة، والجسد هو الوعاء الذي يسكن فيه الإنسان ويتكون من لحم ودم وعظام. أما النفس فهي كيان الإنسان وقد وصفها علماء النفس بأنها الذات الإنسانية التي تتكون من:

   1-الفكر الذي أختزن فيه كل المبادئ والأفكار المكتسبة في كل الأيام منذ الطفولية إلى هذا اليوم.

   2-العاطفة وهي تحوي المشاعر والأحاسيس المختلفة التي تختلج في قلب الإنسان مثل الفرح والحزن والقلق وخلافه.

   3-الإرادة وهي التي تجمع ما بين الفكر والمشاعر لكي تصل إلى القرارات والأحكام التي تحدد الأفعال والأقوال والتصرفات.

   هذه العملية تتم تحت مراجعة وحكم الضمير، فهو من يحكم هذه التفاعلات المختلفة الناتجة عن تفاعل الأفكار والمشاعر. ويراجعها قبل إصدار القرار الإرادي، كما أيضًا يراجعها بعد أن تصبح فعلاً وسلوكًا ليعدلها. من يحكم فيها وعليها هو الضمير الإنساني.

   يعتمد هذا الضمير على الأفكار المكتسبة والبيئة المحيطة به. كما أيضًا يعتمد على استجابتنا لنداءه. فنحن يمكننا أن نطيعه ونجعله حساسًا وفاعلاً، كما يمكن لنا أن نسكته ونهمله فيصير عاجزًا غير فعال. فيكون ضميرًا ميتًا أو بلا عمل.

   فيقوم الضمير بعمله فينا بقدر المساحة التي نتيحها له وبقدر الحرية التي نطلقه ليعمل من خلالها في تصرفاتنا وسلوكنا.

   ضمير الإنسان في البعد عن الله

   لأن الله خلقنا على صورته كشبهه، ونحن نحمل في داخلنا نسمة القدير ومنحته الإلهية لنا. لهذا لا تستقيم حياتنا وسلوكنا إلا في طاعتنا له وخضوعنا لصوته. لكن عندما يبتعد الإنسان عن الله ويرفض عبادته حينئذ يفقد صلاح ضميره، فيصفه الرسول بولس: "بل قد تنجس ذهنهم أيضًا وضميرهم" (تيطس1: 15)، "ضمير شرير" (عب10: 22)، كما يصفهم بأنهم "موسومة ضمائرهم" (1تي4: 2)، وهو تعبير طبي يعني الكي الذي يلغي كل مستقبلات الإحساس الجلدي للألم واللمس، فالضمير أصبح دون إحساس.

   كما يصف الخطاة أيضًا بفقدانهم للحس "الذين إذ قد فقدوا الحس أسلموا أنفسهم للدعارة" (أف4: 19)، فالإحساس مفقود في البعد عن الله والضمير موسوم لهذا يصفهم الكتاب المقدس: "الشارب الإثم كالماء" (أي15: 16)، وهكذا ينطبق عليهم القول: "ليس خوف الله قدام عيونهم" (رو3: 18).

   هذا هو حال الإنسان في بعده عن الله وفي رفضه لعمل المسيح الكفاري على الصليب. بل أتجرأ وأقول إنه هو حال الإنسانية كلها اليوم، فمهما قالوا عن السمو الأخلاقي والمثاليات الأفلاطونية، لكن للأسف مات الضمير ومازال العالم اليوم يعاني من (أزمة ضمير) لأنه "ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد".

   عمل الروح القدس في الضمير

أتى الرب يسوع المسيح إلى العالم ليقدم نفسه ذبيحة عن كل خاطئ بعيد ومات وقام لكي يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. فطهر بدمه قلوبنا كما طهر أيضًا ضمائرنا "فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميته لتخدموا الله الحي" (عب9: 14).

   وهذا هو عمل المسيح الكفاري حين نقدم له حياتنا وقلوبنا بالإيمان فيخلقنا من جديد بعمل الروح القدس. ليجعل الروح القدس فينا كل شيئًا جديدًا "غُسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تيطس3: 5)، لهذا يخلق فيّ الروح القدس ضميرًا حيًا جديدًا مستنيرًا. فالروح القدس يستخدم فكري ليضع فيه مبادئ الحياة المسيحية الصالحة الصحيحة، وهذا ما أعلنه السيد له كل المجد: "أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14: 26).

   كما أيضًا يتعامل مع مشاعري، فلهذا يسميه المعزي أي المفرح وصاحب السلام والطمأنينة ويتعامل مع إرادتي أيضًا ليغيرها "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة" (أف2: 13).

   وعندما يغير الروح القدس الفكر والإرادة والعاطفة، فلابد أن يعمل ذات الشيء في الضمير، الحُكم والقاضي، ليطهره ويقدسه ليكون حاكمًا بحسب قوانين الروح القدس، الأقنوم الإلهي الساكن في.

   لهذا صار لي في المسيح ضمير مستنير بنور الروح القدس ومنقاد بالروح القدس. فيبكت على الخطية وينبه القلب قبل السقوط كما يعيد الإنسان إلى التوبة وحياة النقاوة بوخزاته وإنذاراته.

   قال أحدهم: (الضمير لا يمنعك من فعل الخطية لكنه يفسد عليك متعتها) وهو الذي يقودك إلى التوبة والرجوع للرب.

عمل الضمير المنقاد بالروح القدس:

   1- يشهد لنا:

   "لأن فخرنا هو هذا شهادة ضميرنا أننا في بساطة وإخلاص الله.. تصرفنا في العالم ولاسيما من نحوكم" (2كو1: 12)، وهكذا أعلن الرسول بولس: "أقول الصدق فى المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس" (رو9: 1)، فالروح القدس يجعل ضميرنا يشهد لنا عن صدق وإخلاص قلوبنا وصحة تصرفاتنا.

   2-يحكم ويقود تصرفاتنا:

   فهو الأمل والفعال في تصحيح مسارنا لكي نعيش بحسب إنجيل يسوع المسيح "لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا راغبين أن نتصرف حسنًا في كل شيء" (عب13: 18)، فهو من يقودنا لنفعل الصالح والأفضل والأكمل.

   3-يدعم إيماننا:

   فالإيمان يتقوى بضمير مستنير بالروح القدس. لهذا يطلب بولس الرسول أن يكون الشمامسة "لهم سر الإيمان بضمير طاهر" (1تي4: 9). كما يمدح إيمان الابن تيموثاوس "ولك إيمان وضمير صالح الذي إذا رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضًا" (1تي1: 19).

   لهذا أثق أن الروح القدس يعمل في ضميري ويجعله حساسًا ومستعدًا لقيادتي ليتمم الله عمله بي وفي. أكرر أن الروح القدس يستخدم إمكانيات الإنسان من فكر وعاطفة وإرادة، كما يستخدم الضمير ليضيف له نورًا إلهيًا جديدًا يدعمه ويقوي عمله ليكون إنسان الله صالحًا ومستعدًا لكل عمل صالح.