حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 14

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 14

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 14

 

عادل جندي

قام الكاتب والباحث القبطى الأستاذ / عادل الجندى ، بكتابة بحث تاريخى قيم عن تاريخ الأمة القبطية منذ إحتلال العرب لمصر وحتى عصر مصر الحديثة وحكم محمد على واولاده ، وقد نشر بحثه على ستة عشر مقالاً مسلسلاً على الأنترنت خلال الفترة من 16/8/2008 وحتى 27/1/2009.وقد كان مرجعه الاساسى فى هذه الدراسة القيمة ” كتاب مخطوط تاريخ البطاركة.

ولفائدتها والمجهود المبذول فيهم قام موقع الحقيبة الإسلامية بأعادة نشرها لتصحيح المفاهيم حول الغزو الإسلامي لمصر.

 

الحلقة الرابعة عشر:

14محاولات الخروج من النفق المظلم

كما رأينا في المقال السابق فقد بدأت، منذ خروج بقايا الحملة الفرنسية وعودة حكم العثمانلية الغاشم، فترة من الاضطرابات والفتن والقلاقل. بعد تفاقمها ذهب عدد من الشيوخ إلى (البكباشي) محمد علي (ضابط الجيش العثماني، الذي كان قد نجح في استمالة كبار العلماء وأرباب الوظائف والجند الأرناؤوط) يريدونه واليا، فتمنّع؛ وتقدموا لدار السلطنة طالبين توليته. وراح السيد عمر النقيب والشيخ الشرقاوي يحضان الرعية على الهياج والصياح. وأفحش (الأمير المملوكي) الألفي الكبير ومن معه من العربان في القتل والنهب والتخريب في البلاد. وأخيرا، في ٩ يوليو ١٨٠٥ وصل فرمان بتولي محمد على باشا الولاية على مصر.

 

 

***

 

والآن نتابع الأمور من زاوية كُتّاب حوليات مخطوطات “تاريخ البطاركة” [[..]]:.

 

٤٤ـ تولى بطرس السابع (١٨٠٩ـ١٨٥٢) وهو التاسع بعد المائة، وكان من رهبان دير الأنبا أنطونيوس. ثم رُسِم “مطرانا عاما” للكرازة المرقسية في عهد سابقه.

 

[[وفي عهده فتح محمد علي باشا السودان فعاد من أهله كثيرون إلى الدين المسيحي (..) وفي زمانه اعترى زُهرَى باشا، ابنة محمد علي باشا، وزوجة أحمد بك الدفتردار، روحٌ نجس فعانى الأطباء في معالجتها ولم يستطيعوا شفاءها لأن ذلك لم يكن مرضا طبيعيا، وكان صيت الأنبا سرابامون أسقف المنوفية بما أٌعطي من قوة إخراج الأرواح الشريرة مالئا القطر المصري (فطلبه الباشا) فتوجه إليها وكانت السراي غاصة (..). ولما ابتدأ يصلي تحرك الشيطان فيها وألقاها صرعى الأرض وهي تزبد (..) ثم قامت الأميرة صحيحة. وبُشِّر محمد على فرغب مكافأة الأسقف فصرّ صُرّة بها أربعة آلاف جنيه فأبى أن يقبلها (..) وسأله عوض ذلك أن يميل تعطفاته نحو أبناء الطائفة القبطية ويخدم بنيها المرفوتين فأجابه لذلك (..)]].

 

[[وفي أحدى السنوات لم يف النيل مقداره (فأمر الباشا) الرؤساء الروحانيين بأن يرفعوا الأدعية والصلوات (..) ثم صلى الأنبا بطرس مع لفيف من الإكليروس (..) ففاضت مياه النهر (..) فعظمت منزلة البطريرك وطائفته لدى الباشا وزاد في اعتبارهم]].

 

[[وقد شاع أن ابراهيم باشا (ابن محمد على) عندما ملك البلاد الشامية وأورشليم دعا الأب بطرس ليباشر خدمة خروج النور من ضريح السيد المسيح (ليلة عيد القيامة) (ففعل) مع بطريرك الروم، وهو ثالثهم داخل القبر. وكان الباشا مرتابا بحقيقة النور (..) فلما انبثق ارتعب منه ووقع عليه ذهول واندهاش وصرخ مرددا «أمان بابا» (..)]].

 

[[وفي أيامه سعى محمد علي باشا بضم كنيسة مصر إلى كنيسة روما وذلك أن التنظيمات الجديدة التي صارت في مصر كانت بواسطة رجال فرنسا وعلمائها، فلما رأى الباشا أنه مغمور بجزيل معروفهم رام أن يقابلهم بمثله، وإذ احتار (..) نصحه أحد قواد الجيش، وكان (فرنسيا) بابويا، بأن يسعى في ضم نصارى مصر إلى كنيسة روما فيجد ذلك الإفرنج فعلا حميدا (..) فاستدعى المعلم غالي وابنه باسيليوس بك رئيس المالية وأمرهما أن يفعلا ذلك، فوقعا في حيص بيص وخافا من وقوع الفتن في الطائفة، فأجابا الباشا قائلين: «إن استمالة الطائفة جميعها إلى مذهب كنيسة رومية دفعة واحدة لا يتم بدون قلاقل (..) فنرى الأحسن أن يكون ذلك بسياسة وتدريب، وذلك أننا نعتنق نحن أولا المذهب البابوي بشرط ألا نُكرَه على تغيير طقوسنا وعوائدنا الشرقية وبذلك يمكن أن نميل أفراد الطائفة رويدا». فقبل الباشا هذا الرأي وأخبر الإفرنج (..) فانقلب المعلم غالي وابنه ورهط قليل من أشياعهما في مصر وأخميم، بابويين (كاثوليك) في الظاهر وهم يضمرون بأنهم بعد حين يعودون لحضن كنيستهم (..)]].

____________________________________________

**هذا مجمل ما ذكره مدونو “تاريخ البطاركة” في ذلك الوقت حول عصر محمد علي. ويبدو أنهم كانوا غير مستوعبين تماما للتغيرات والتطورات الحادثة بالبلاد، ومن أهمها:

بعد أن تولى، راح محمد علي يعمل على استقرار الأمور وتعزيز سلطته واسترضاء الجند بدفع المتأخر من رواتبهم، فضرب على القبط قرضا عظيما للغاية، وقسمه على كبرائهم، وبث الأعوان لقبضه فعاثوا وفعلوا ما لا خير فيه. ثم قبض على المعلم جرجس الجوهري صاحب خراج مصر يومئذ وعلى جماعة من كبراء القبط وسجنهم ببيت كتخدا وطلب من الجوهري حسابه عن السنوات السابقة واستقدم المعلم غالي، كاتب الألفي بك بالصعيد، وأقامه بدله وضيق على (الجوهري) وفرض عليه مبلغا عظيما من المال فباع ما كان عنده من أثاث ليوفي بعض ما طولب به، فأبقاه معتقلا أياما.

 

وفي فبراير ١٨٠٩طلب السلطان من محمد علي التأهب لقتال الوهابيين بالحجاز، وكانوا قد خرجوا فعاثوا ونهبوا وقتلوا ومنعوا الحج. وهم أصحاب عبد الوهاب الدرعي الذي تعلم مذهب أبي حنيفة ثم سار لأصفهان ولاذ بعلمائها (الشيعة) وأخذ منهم حتى غزرت مادته وتضلع من علم أصول وفروع الشريعة ثم رجع لدرعة وقرر مذهبا مخصوصا له، وكثر مريدوه وشاع أمره.

 

وفي مارس ١٨١١ نفذ محمد علي («مذبحة القلعة» الشهيرة) ليقطع شأفة المماليك. وأخذ في تدبير أمور البلاد فأكثر من المشروعات المهمة كحفر الترع وترميم الجسور وإنشاء المعامل العظيمة وهيأ عمارة حربية وسيرها مددا لولده الأمير طوسون بالحجاز. ثم أعد جيشا عظيما، ضم كثيرا من العربان، تحت قيادة ابنه اسماعيل، لفتح السودان والدارفور واستخراج كنوزها ومعادنها.

 

ثم رغب محمد علي في إنشاء جيش من أولاد الناس، على نظام عسكر الفرنسيس، وخاطب أهالي البلاد بأن من يشاء أن يدخل في خدمة الدولة بشرط أن يكون في سن الخامسة والعشرين أبيض اللون (؟) صحيح الجسم. فتسابق الناس إلى الدخول طوعا. واستقدم ضابطا من عظماء الفرنسيس (الكولونيل سيف؛ سليمان باشا الفرنساوي) لتدبير أمور الجندية وأنشأ مدارس للمشاة والفرسان وأصحاب المدافع ومعامل لآلات الحرب.

 

ثم نهض اليونان إلى طلب الاستقلال عن السلطة العثمانية ورأوا أن هذا لا يتم إلا ببث الحرية والمساواة بين طبقات الرعية، والخروج من مضايق الأسر والاسترقاق وأنشأوا جمعيات للذب عن حقوقهم السياسية. وبلغ عدد أعضائها نيفا وعشرين ألفا ممن يقدرون على حمل السلاح. وسير السلطان جيشا عظيما لإخضاعهم فانهزم بعد أن أفحش عسكره في قتل ونهب وسبي النساء والأطفال. وتألفت في ديار أوروبا جمعيات لمحبي تحرر الأمم وكانوا يساندون الثوار اليونان، وممن سلكها الشاعر الفرنسوي المسمى فيكتور هوجو واللورد بايرون الشاعر الانجليزي، وابن واشنطون محرر بلاد أمريكا. وأعطى السلطانُ لمحمد علي ولاية المورة وكريت ورسم له بقتال اليونان. فأعد جيشا جعل مقدمه ولده الأمير ابراهيم ومعه سليمان باشا الفرنساوي، ونزل الجنود المصريون والعثمانيون (١٨٢٦) وفتحوا البلاد عنوة حتى أتينا وعاثوا قتلا. وضغط قيصر الروس وملكا الانجليز والفرسيس على السلطان لمنح اليونان استقلالهم الإداري مع دفع الجزية، فرفض السلطان؛ فاشتبك القتال وتم تدمير جميع السفن المصرية والعثمانية، فدعا السلطان جميع إيالات مملكته للغزو والجهاد دفاعا عن الإسلام. لكن ابراهيم انسحب، ونال اليونان الاستقلال.

 

(لاحظ مفارقات التاريخ: لأول مرة منذ قرون طويلة انخرط المصريون في جيش وطني، لكن أول عمل لهم كان محاربة اليونان، لإرغامهم على البقاء أسرى الدولة العثمانية التي يرزحون هم تحتها)!!

 

وفي (أكتوبر ١٨٣١) خرجت الجيوش المصرية، ومقدمها الأمير إبراهيم ومعه سليمان باشا الفرنساوي، تريد فتح الديار الشامية (التابعة للسلطنة)، فأخذ بيروت وصور وصيدا وحمص وحلب، واندفع في الأناضول يريد القسطنطينية. وهدد السلطان بالاستعانة بالروس ضده، ودعت دولتا الفرنسيس والإنجليز محمد على إلى التراجع فلم ينصت. ثم عرض عليه السلطان (١٨٣٣) أن يتولى، وذريتُه من بعده، على ديار مصر وبلاد العرب وصيدا وطرابلس، فرفض. فأفتى مجلس إفتاء السلطنة بخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، وبتجريده وقصاصه قتلا، فلم يأبه. ثم ثار أهل حوران ولبنان والشام ونادوا بالخلاص من نير عبودية الأمير ابراهيم وجور عسكره فأخمد الفتن وعمد إلى التنكيل بفاعليها. وفي يوليو ١٨٤٠ وقعت معاهدة لندن وبها يكون لمحمد علي ولذريته ولاية مصر، وله مدةَ حياته نصف الشام، فرفضها. فحاصرت سفن الإنجليز بيروت ودكتها ونزل الجنود العثمانية وثار أهل الشام وحوصرت الإسكندرية. وأخيرا أذعن ولم تبق له سوى ولاية مصر، ويكون للباب العالي خراج سنوي (٨٠٠٠ كيس ذهبا) وألا يزيد الجيش عن ١٨ ألفا وغيرها من الشروط.

 

ثم انكف محمد علي عن الغزو والفتح ووقف عند العناية بإصلاح شئون مملكته فأنشأ معامل للحديد والكتان ومهد الطرق وأنشأ مدارس أتى لها بالأساتذة من ديار الإنجليز والفرنسيس واستقدم زهاء ١٥٠٠ من فلاحي الفرنسيس وفرقهم في البلاد ليعلموا أهلها طرق الزراعة واستقدم المسيو جوميل لزراعة القطن وبالغ في الاهتمام بأمر الطب وأتى له بالعلامة الشهير كلوت الفرنساوي فأنشأ مدرسة لذلك وأخرى للقابلات وديارا لمرضى العسكر. وأتى بالمسيو لينان لتدبير ماء النيل فأكثر من بناء القناطر والجسور. ثم أصيب محمد علي باضطراب وهذيان فتولى ابنه إبراهيم تصريف الأمور (١٨٤٨) لكنه سرعان ما مرض ومات وتولى عباس. وتوفي محمد علي في أغسطس ١٨٤٩ عن زهاء الثمانين.

(الكافي ج٣ ص ٤٠٧ وج٤ ص ١٢ـ ١٣٨).

 

إذن فقد وضع محمد علي أسس الدولة الحديثة بمصر ولكنه أضاع معظم فترة حكمه وموارد البلاد في حملات عسكرية خارجية لا طائل من ورائها.

 

وفيما يتعلق بالأقباط، فقد قضى محمد علي “مبدئيا” على التفرقة عندما قرر استخدام المصريين والاعتماد عليهم. ولم يحل بين النصارى وبين ممارستهم لطقوسهم الدينية ولم يرفض طلبات بناء أو إصلاح الكنائس، وسهل عمليات الحج إلى الأراضي المقدسة تحت رعاية السلطات. وكان أول حاكم مسلم منح الأقباط رتبة البكوية واتخذ له مستشارين من النصارى. ولم يتردد في مؤازرتهم أحيانا: فقد حدث في (١٨١٤)، أثناء تمرد حامية القاهرة، أن اعتصم النصارى وقد استبد بهم الرعب في أحيائهم وأقاموا عليها المتاريس فأمدهم الباشا (كما يقول الجبرتي) بالبارود وآلات الحرب. وحدث في ١٨٤٥ شجارٌ بين حمّار ومزارع قبطي بدمياط فسب المزارعُ الحمّارَ الذي اشتكى للسلطات، فأمر الحاكم بضرب القبطي خمسمائة ضربة والطواف به في الحي النصراني ليهان من الجميع. ولما علم محمد علي بهذا الحادث (الذي يدل على أن «ثقافة التسامح» كانت قشرية جدا!) أمر بسجن الحاكم خمس سنوات في قلعة أبي قير وتغريمه.

 

من ناحية أخرى، لم يقم محمد علي بإلغاء الجزية برغم صدور فرمان الكلخانة بإلغائها (١٨٣٩)، وإن كان قد فتح باب الاستثناء فأعفى منها العمال الأقباط بترسانة الإسكندرية «والذين يؤخذون للجهادية لكونهم يؤدون مصالح الميري ومن اللزوم رعايتهم ورفاهيتهم» (مايو ١٨٣٦). وكان محمد علي يكافئ الذين يعتنقون الإسلام ويعيّنهم في وظائف الحكومة، وحث الكولونيل سيف على اعتناق الإسلام «حيث لا يجوز لغير المسلم أن يقود الجيش»، ولم يتردد في معاقبة المرتدين. وكان محمد علي لا يرى في الأقباط إلا مباشرين ومحاسبين ممتازين، ولم يحاول إدخالهم في الجيش النظامي، وكانت أول بعثة علمية إلى فرنسا خالية من الأقباط (وإن شملت مسيحيين).

(أقباط ومسلمون ـ جاك تاجر ص ٢٣١ـ٢٣٥).

***

 

تولى عباس باشا، ابن طوسون (أي حفيد محمد علي)، وكانت أيامه تراجعا عن إصلاحات جده. وكان يأخذ بأصحاب السعاية وأهل الوشاية، شديد البغض للأجانب (مثلا، أمر اليونانيين المقيمين وعددهم ٣٠٠٠ نسمة مغادرة البلاد خلال أسبوعين) وأكثر من شراء المماليك والإماء السود. وكان ناقما على (القبط) فأخرج الكثير منهم من خدمة الدولة ومنع استخدامهم وبالغ في تذليلهم وأتى للمباشرين منهم بطائفة من الأحداث الأغرار فجعلهم في وظائفهم وألزمهم بتعليمهم وتدريبهم وضرب لهم أجلا فاختل نظام المصالح الديوانية. واشتد به البغض للنصارى، وأرسل إلى الشيخ الباجوري، شيخ الإسلام يومئذ، وقال له «أني أقصد تبعيد النصارى كافة من بلادي ومقر حكومتي إلى أقصى السودان وقد دبرت لذلك تدبيرا، فما قولك؟». قيل، فرفض الشيخ بالنسبة «للذميين الذين هم أهل البلاد وأصحابها»، وحذره بشأن النصارى الفرنجة «إذا فعلت بهم شرا أن يحل ببلادك ما حل بالجزائر من الفرنسيس».

وكان العربان في عهده واسعي الكلمة عظيمي الصولة فعاثوا في البلاد وأفسدوا وأهلكوا الحرث والنسل.

وكان الأنبا بطرس تقيا زاهدا ورعا محبا للخير قليل الكلام مع هيبة ووقار يقضي يومه في المطالعة جالسا على الأرض ولا ينام إلا على حصير من القش، بعيد الغضب. وكان لا يتعرض إلى أمر من أمور السياسة ولا يجتمع بأحد من ولاة الأمور (الكافي ج٤ ص ١٤٢ و١٤٦ و١٦٤).

***

 

٤٥ـ ثم تولى الأنبا كيرلس الرابع (١٨٥٤ـ١٨٦١) وهو العاشر بعد المائة، وكان رئيس دير أنبا أنطونيوس. وبعد اختياره للبطريركية، رفض عباس باشا اعتماده لأن المنجمين أخبروه أن في هذا سوء طالع وموت له، فرُسم وكيلا للبطريركية ومطرانا عاما لمدة ١٤ شهرا قبل أن يتولى البطريركية (الكافي ص ١٦٩).

 

[[وإلى هذا الأب يرجع تمدن الشعب القبطي وارتقاؤه في مراقي النجاح وذلك بما صبه من قصارى جهده في سبيل تهذيب شبانه وتعليمهم العلوم فإنه أنشأ المدرسة الكبرى القبطية في البطركخانة وفتح مدرسة أخرى في حارة السقايين وجدد فيها تعليم اللغة القبطية بعدما كادت (تندثر) إذ لم يكن في ذلك الوقت يتكلم بها أحد وإنما كانت تستعمل فقط في كل كنائس القطر المصري (..) وأدخل من ضمن ذلك لغات أجنبية (بجانب) اللغة العربية (وأتى لها بكبار المعلمين من الفرنسيس والإنجليز والإيطاليين وعلماء العربية وأكثر لها من المعدات والكتب المرتبة. وأنشأ دارا للطباعة وسلمها لجماعة من أبناء المدارس فطبعوا كثيرا من الكتب الدينية وكتب التاريخ والأدب. وكان ميالا لتعليم البنات وتهذيبهن فصادف من المقاومة أشكالا). وجدد كنيسة بحارة السقايين وشرع في آخر حياته بإنشاء الكنيسة الكبرى بعد أن نقض الكنيسة القديمة (بالأزبكية، التي كان أسسها ابراهيم الجوهري (*))، وكان بعزمه أن يشيدها (..) فحال دون ذلك غيابه في الحبس الذي صادف فيه مخاطر مهولة كادت تودي بأجله. وذلك أن بعض الإنجليز بعدما توجه للحبشة (**) سعوا به عند النجاشي تاودروس وادعوا عليه أنه (يريد) أن يجعل الحبشة خاضعة للحكومة المصرية وأنه سار إلى الحبشة وعساكر مصر تتبعه، فطار النجاشي جنونا وأمر بحرق البطريرك حيا فأثنته الملكة عن عزمه وسفرت البطريرك إلى مصر سالما]].

____________________________________________

(*)كان ابراهيم الجوهري رئيس كتّاب البر المصري، في بداية أيام محمد علي والبطريرك مرقس الثامن، وكان الأقباط لا يتحصلون على إذن من الحكومة لبناء كنيسة إلا بشق الأنفس. فاتفق أن إحدى سيدات العائلة السلطانية قدمت إلى مصر قاصدة الحج، ولكون ابراهيم هو المتقدم في الحكومة المصرية، باشر بنفسه أداء الخدمات لها وقدم لها هدايا فاخرة فأرادت أن تكافئه (..) فسألت عن مرغوباته، فالتمس منها المساعدة في إصدار فرمان سلطاني بالرخصة لإنشاء كنيسة في الأزبكية، فلبت دعواه (..) غير أنه (سُجن على يدي محمد علي، ثم) توفي قبل أن يشرع في البناء فتولى أخوه جرجس أفندي، مع الأنبا مرقس وكبار الطائفة، بناء الكنيسة ونقلوا مركز البطريركية]. (تاريخ البطاركة).

(**) عندما تولى سعيد باشا (ابن محمد علي، وعم عباس باشا) الحكم في يوليو ١٨٥٤ كان نجاشي الحبشة يحاول توحيد البلاد، واتجه للتوسع في بعض الأملاك المصرية الواقعة على حدوده بالسودان، فبدأ سعيد في الاستعداد لمحاربته، ولكن أشير عليه بإرسال الأنبا كيرلس للوساطة على رأس وفد. وكان هذا مطرانا ووكيلا لدار البطريركية بعد موت البطريرك بطرس. فجهزوا لهم باخرة نيلية نحو الصعيد الأعلى، ثم ركبوا الهجن والجمال حتى حدود الحبشة فخف النجاشي للقائهم وبالغ في إكرامهم وطلب من كيرلس أن يمسحه ملكا على سائر ملوك الحبشة لأنه لذلك الوقت لم يكن قد مُسح، فأجابه وأهداه ثوبا مذهبا من الباشا. ثم طلب منه أن يقلع عما يفعله عند الحدود حقنا للدماء، فأذعن النجاشي وقبل. ثم (بعد شكوي مطران الحبشة) طلب منه إيقاف بعثة الإنجليز من مبشرين لتعاليم (البروتستانتية)، وكان معهم من يدربون العسكر ويصنعون المدافع، ووعده بطلب ما يحتاجه بديلا عنهم من سعيد باشا، فوافق وأخرجهم من البلاد. فرح كيرلس وكتب إلى سعيد باشا يُعلمه بما جرى. وعلم قنصل الإنجليز بمصر بما جرى فعمد إلى الانتقام ووشي لسعيد باشا: «أن عند القبط كتابا يعتقدون في صحة ما فيه وهو يدلهم على زحف الحبشة على أرض مصر في يوم معلوم عندهم فيأخذونها عنوة». قال سعيد لعله حديث خرافة. فنصحه القنصل أن يأخذ حذره من كيرلس، وما زال به حتى تمكنت به الظنون فكتب إلى كيرلس يعيب عليه ما فعله ويستدعيه. وقام في جيش عظيم ليحارب النجاشي، ووصل الخرطوم (يناير ١٨٥٧). ثم دس الإنجليز من أخبر النجاشي بأن «قدوم كيرلس إنما هو لمنعك من إعداد جندك لتذب عن مملكتك إغارة والي مصر، وقد سير إليك مع كيرلس كساء مسمم النسيج». فهال النجاشي الأمر وجاءه خبر وصول سعيد باشا الخرطوم فأمر بكيرلس فسجنوه بمقره، وكيرلس لا يدري ما الأمر. وخرج النجاشي في جيشه للقاء سعيد. ثم استطاع كيرلس أن يلتقي أم النجاشي، واشتكى لها. وواجهه النجاشي، فدافع بحرارة وكتب لسعيد باشا يطلب الانسحاب من الخرطوم، فوافق وتعاهد مع النجاشي بعدم الاعتداء. ولما عاد كيرلس لمصر، شعر بجفاء سعيد باشا فحاول مرارا لقاءه لمعرفة حقيقة الأمر، ولم يتمكن، فاعتزل بالدير حتى تنجلي الحقيقة. لكن دسائس قنصل الإنجليز زادت وأوهم الباشا أن كيرلس ينوي وضع الكنيسة القبطية تحت حماية دولة الروس. (الكافي ص ١٥٥ـ ١٦٠ و ١٧١).

 

في ولايته لمصر، قام سعيد باشا بإصلاح ما أفسدته أيدي سابقه. وقاتل جنودُه العربان في الجبل الشرقي والغربي وتشرد من بقي منهم إلى الحجاز والشام واختفى البعض في القرى وتزيا بزي العامة والفلاحين وتكلم بكلامهم وترك ما يلتزمه العرب في كلامهم، وقد كان الفقير منهم في السابق يأنف من مخالطة أهل البلاد ومكالمتهم ويحسب ذلك عارا ومذلة. وأمنت السبل وارتفع الخوف عن الناس. وأعاد ما أبطله عباس باشا من المعامل والمدارس واستقدم العلامة رفاعة بك من بالديار السودانية، حيث كان أبعده عباس، وسلمه مقاليد المدارس. وقامت الجاليات (الفرنسية والإيطالية) وأيضا هيئات الفرنسيسكان والفرير والراعي الصالح والقلب المقدس والإرساليات البروتستانتية بإنشاء مدارس. ومد سعيد الخطوط التلغرافية والحديدية، واعتنى بالجيش وجعل الخدمة العسكرية إجبارية وقصّر مدتها. وقدم في ولايته الشهير فرديناند ديلسيبس وكلمه في حفر خليج يصل البحرين الأبيض والأحمر فاستكبر سعيد باشا الأمر وأعده من رابع المستحيلات، ثم استحسنه بعد إلحاح وشرح، ووافق عليه بعد قبول أمير المؤمنين. ورسم بتسخير زهاء عشرين ألفا من أهالي البلاد بالمناوبة. (الكافي ج ٣ ص ١٤٧ـ١٥٥ وهوامش ج ٤ ص ١٣٥٤ـ٧٥).

 

وكان سعيد باشا بعيد التعصب لأحد الأديان، لا يفرق بينهم ولا يفضل بعضهم على بعض فأحبته الرعية. وعمل على إزالة العواقب نحو اندماج القبط في صلب الأمة وقرر قبولهم في الجيش ونص الأمر العالي (يناير ١٨٥٦) على أن «أبناء أعيان الأقباط سوف يدعون إلى حمل السلاح أسوة بأعيان المسلمين وذلك مراعاة لمبدأ المساواة». (وإن كان الأقباط قد شعروا في البداية أن التجنيد هو نوع من الاضطهاد، المراد منه إكراههم على اعتناق الإسلام إذ يكون إسلامهم شرطا أساسيا لترقيتهم في سلك الجيش. ولكنهم انتظموا في الجيش في عهد اسماعيل باشا). وأثنى على مدير جرجا لأنه «قام بتفرقة الذين خرجوا بعد إسلام أحد أقباط سوهاج وأخذوه ومروا به بالأسواق متظاهرين ومفتخرين بإسلامه، ثم عزل عمدة الناحية لسبب تساهله وتسامحه في ذلك». وعين مسيحيا حاكما للسودان.

 

وألغى سعيد في ديسمبر ١٨٥٥ الجزية «رغبة من الوالي في التلطف مع الذميين المشمولين برعايته». وفي ١٨٥٦ انتزعت القوى الأوروبية وعدا شفاهيا من السلطان عبد المجيد، دون في الكتاب الموشح بالخط الهمايوني (١٨ فبراير) بشأن تنظيم إقامة البطاركة وتعمير وترميم الأبنية المخصصة للعبادة، وذلك «لحفظ الناموس فى حق جميع تبعتى الموجودين فى أى دين كان بدون إستثناء». (جاك تاجر ص ٢٣٧ـ٢٥٥).

***

 

٤٦ـ ثم تولى الأنبا ديمتريوس الثاني (١٨٦١ـ١٨٧٠) وكان رئيسا لدير الأنبا مقار.

 

[[واقتفى أثر سلفه فأكمل عمارة الكنيسة (المرقسية بالأزبكية) (..) فصارت أحسن وأوسع وأعلى وأعظم كنائس الأقباط بالقطر المصري (..) ونشّط أيضا المدارس و(الكتاتيب). وقد توفر له الحظ السعيد بمثوله أمام الحضرة الشاهانية السلطان عبد العزيز عندما شرف الديار المصرية، وحضر احتفال فتح ترعة (قناة) السويس (نوفمبر ١٨٦٩) فنال من جلالة السلطان (*) التفاتا عظيما وأنعم عليه بجملة من الأراضي الزراعية لنفقة الدار البطريركية ومدارس الأمة]].

______________________________________

(*)كان عبد العزيز أول سلطان عثماني يزور مصر منذ سليم الأول (قبل ٣٥٠ سنة). وبينما كانت السلطنة عندئذ تعاني الأمرين خارجيا من الأقاليم التي تطلب الاستقلال وداخليا من جماعة “تركيا الفتاة” التي هاجمت فساد الحكام بعنف، وبرغم ما اقترفه العثمانيون من إفساد وحشي في مصر عبر القرون الفائتة، فقد قابلته الجماهير المصرية بترحيب فائق وكان «ينظر إليهم كأنه يحييهم فيكثر صياحهم وتشتد جلبتهم وهي حالة لم يرها السلطان في بلاده».

 

[[وكان في أيامه اسماعيل باشا (*) وهو أول من نال من الدولة العلية لقب خديوي]].

_______________________________________

(*)تولى اسماعيل (ابن ابراهيم، وحفيد محمد علي) في يناير ١٨٦٣ وراح يعاود الإصلاحات، ونقض ما أبرمه سعيد باشا مع ديلسبس ورسم بعدم تسخير أهل البلاد في حفر ترعة السويس، وأن تكون القنال والأراضي المحيطة تحت إمرة الحكومة المصرية بدون منح امتيازات أو حقوق لأي دولة. ومالت نفسه إلى التشبه بكبار الملوك وأصحاب الحكومات الدستورية الأورباوية فرسم (ديسمبر ١٨٦٦) بتشكيل مجلس شورى البلاد. وعمد إلى تنظيم الجند وأنشأ القلاع ومعامل البارود والفشنك والمكاحل واستقدم جماعة من كبار جند الأمريكان والمهندسين لتعليم العسكر. ودعاه نابليون (الثالث) فزار باريز عند فتح المعرض الكبير وأقام شهرا ونصف. ولما عاد أمر بإنشاء مرسحين، الكوميديا والأوبرا، وأتوا لهما من أوربا بجماعة من المشخصين والمشخصات وأساتذة الفن. وعند افتتاح ترعة السويس أقام احتفالا عظيما حضره أوجنيه إمبراطورة الفرنسيس وإمبراطور النمسا والمجر وولي عهد إيطاليا والبروسيا وغيرهم. ثم سيّر الإرساليات العلمية والعسكرية إلى جوف السودان والحبشة لتخطيط الطرق والاستكشاف. وضم بعض بلاد الصومال وسواكن ومصوع مقابل زيادة الخراج للسلطنة. وكان ميالا إلى جعل القاهرة على نسق عواصم الأمم المتمدنة وصرف أموالا طائلة في توسيع الطرق وإنشاء المباني وغرس الأشجار وإنارة الشوارع ومد السكك الحديدية. وانتشرت المدارس الابتدائية في أنحاء القطر وأنشئ العديد من المدارس التجهيزية. ثم نضبت الخزينة واضطر للاستدانة بالربا الفاحش وكثرت الديون فرسم ببيع سندات شركة خليج (قناة) السويس إلى دولة الإنجليز وحُجِر على الكثير من موارد الحكومة لسداد الدين. (الكافي ج٤ ص١٧٧ـ٢١٨).

 

وعقدت مصر مع بريطانيا (١٨٧٧) “معاهدة (تحريم) الرقيق” في السودان، لكنها أثارت السودانيين على الحكم المصري لأن تجارة الرقيق كانت مرتبطة بالتكوين الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع (!) (ج٤ هوامش ١٤١٦).

 

[[ومن مآثر (الأب) أنه طاف الوجه القبلي على باخرة عينتها له الحكومة (لمجابهة ازدياد الحملات التبشيرية الأجنبية بين الأقباط) (..) ولما توفي بقي الكرسي خاليا أربع سنين وتسعة أشهر لأجل تأخير الحكومة إصدار أمر بقسمة بطريرك للطائفة. وكان يدير أمور البطريركية أنبا مرقس مطران الإسكندرية (بمساعدة مجلس من ١٢ “علمانيين)]].

 

وقد توسع اسماعيل (الذي تلقى علومه في فيينا ثم باريس) في سياسة التسامح الديني، فأمر بوجوب قبول أولاد النصارى والمسلمين بدون تفرقة في المدارس الأميرية، ومنح المدارس القبطية إعانة مالية ووقف ألف خمسمائة فدانا عليها (ملحوظة: قارن هذا باستيلاء الدولة على الأوقاف القبطية في أواخر القرن العشرين). وقرر المساواة بترشيح الأقباط لانتخابات مجلس الشورى ثم بتعيين قضاة أقباط في المحاكم. وفي (١٨٦٣) تقدم أحد الأقباط يريد اعتناق الإسلام، فأمر (اسماعيل) المسئولين باستحضار قسيس وعدد من العمد الأقباط لأجل إقرار ذلك الشخص أمامهم بأنه راغب اعتناق الإسلام من غير أن يجبره أحد، وبعد إقراره يصير منهم التصديق على الإقرار ويحفظ بالمديرية. (هذه التدابير هي أساس ما أصبح يعرف، فيما بعد، بـ «جلسات النصح» التي ألغيت مؤخرا.

 

ملحوظة: راجع الفرق بين أوامر اسماعيل باشا وبين الإجراءات والممارسات الهمجية للدولة المصرية في مطلع القرن الحادي والعشرين) .

 

وعندما أريد تنظيم شوارع مصر وفتح شارع كلوت بك، استلزم المشروع إزالة كنيسة الأقباط فعرض على الأنبا ديمتريوس أن تبنى له، على نفقة الحكومة، كنيسة ودار للبطريركية أفخر من الحالية، فاعتذر البطريرك بأنه يتشاءم من هدم معبد ديني ليكون طريقا، فأمر الخديو باحترام إرادته. (ملحوظة: قارن هذا بأمر الحكومة المصرية أيام السادات بإزالة كنيسة “جميع القديسين” عند كورنيش النيل بوكالة البلح لكي يفسح مكانا لكوبري ٦ أكتوبر، بينما كانت الحلول البديلة ممكنة بل سهلة). وكان اسماعيل أول من طلب رتبة الباشوية لمسيحي (نوبار)، وكان بين الأقباط عدد كبير من ذوي الرتب وكان واصف باشا عزمي كبير التشريفاتية (ملحوظة: قارن هذا بعدم وجود موظف قبطي ـ حتي بدرجة فراش ـ في رئاسة الجمهورية المصرية). وقد لخص اسماعيل الأمر بقوله يوما: «يعيش المسيحيون في تركيا في جو من التسامح المشوب بالاحتقار، وأما في مصر فإنهم يعيشون في جو من التسامح المقرون بالاحترام». (ملحوظة: قد يعبر هذا عن مشاعر اسماعيل أكثر منه عن الواقع، لكن قارنه بأجواء اللاتسامح المقرون بالكراهية، التي ينعم بها الأقباط الآن). وبفضل هذه السياسات بدأت عقلية الشعب تتغير تدريجيا وتحسنت العلاقات بين «عنصري الأمة» وأصبح مبدأ المساواة شيئا فشيئا أمرا مألوفا. وصار ممكنا أن ينتخب أهالي مدينة «ببا»، التي لا يسكنها سوى ثلاثة عشر أسرة قبطية، «جرجس» أفندي عمدة. وكان رؤساء الوزارات المسيحيون مثل نوبار باشا (وبطرس غالي باشا فيما بعد) يذهبون للاحتفال بسفر المحمل مندوبين عن الخديو. (جاك تاجر. ص٢٤٢).

***

 

٤٧ـ ثم تولى الأنبا كيرلس الخامس (١٨٧٥ـ١٩٢٧) وهو الثاني عشر بعد المائة.

[[وكان ترهبن بدير البراموس، وكان هذا الدير وقتئذ في أشد الفاقة ماديا وأدبيا فكانت إيراداته ضعيفة جدا لا تفي بحاجيات رهبانه، وكانت أطيانه في أيدي الغير يستغلونها لغيره وما كان رهبانه يحصلون على القوت الضروري إلا بغاية الصعوبة بل كانت تمر عليهم أيام لا يقتاتون إلا بالترمس (..) فلهذا تناقص عدد رهباته حتى وصل إلى أربعة أشخاص وروى بعضهم أن الدير احتوى مرة على شخص واحد ظل فيه وحده نحو ثلاث سنوات (..)]].

 

وبعد رسامته [[وجّه عنايته نحو ترتيب المدارس وتنظيمها فأكثر من المدرسين فيها لسرعة تقدم الطلبة وأدخل فيها العلوم العربية والرياضية كالحساب والجبر والهندسة (..) وأنشأ مدارس بالبطركخانة وحارة زويلة وبولاق، ثم وجه التفاته نحو الأديرة بجوار القاهرة (..) ثم أمر بنشر الكتب الدينية وحث الرهبان على الدرس والقراءة وفتح لهم مدارس في الأديرة (..) ونشر في أيامه كثير من كتب الوعظ والتعليم الدينية والمؤلفات العلمية والتاريخية (..) وفي أيامه ارتفعت نوعا درجة الإكليروس في العلوم والمعارف وأيضا زادت معرفة اللغة القبطية فصار كثيرون يمكنهم التكلم بها وألفوا فيها جملة كتب للتعليم (..)]].

[[وفي أيام توفيق باشا (*) رسم مطرانا وثلاثة أساقفة للحبشة (..) وقلده الخديوي توفيق النشان المجيدي الأول وقلده أفندينا المحبوب عباس حلمي باشا الثاني (١٨٩٢ـ١٩١٤) بذات النيشان، وأهداه جلالة السلطان عبد الحميد خان المعظم النيشان العثماني من الدرجة الأولى وأهداه قيصر المسكوف (روسيا) نيشانا من الدرجة الأولى (..) وعينته الحكومة المصرية عضوا في مجلس الشورى من ضمن نواب الأمة]].

_______________________________________

(*)تولى توفيق في يونيو ١٨٧٩ بعد عزل أبيه اسماعيل واهتم بضغط النفقات لمعالجة مشكلة الديون، فأنقص عدد الجيش. واشتكى الضباط المصريون بزعامة الأميرالاي أحمد عرابي من استبعادهم ومحاباة الشراكسة، فاستجاب الخديو وأقال ناظر الجهادية. وأرسل عرابي عريضة بمطالب الجند: عزل رياض، رئيس النظار، وزيادة عدد جند الجيش وإعادة مجلس شورى النواب، فتم تنفيذها بالتدريج. وتولى عرابي وكالة ديوان الجند، ثم راح يتصل بقناصل الدول، وطاف بالعسكر مع جماعة من كبار العلماء يحثون على «التعاقد وإعزاز الدين والخروج عن طاعة الخلافة العثمانية غير الصحيحة إلى طاعة خلافة عربية تعمل بسنة الله ورسوله»، وسيّر رسائل لمخابرة شريف مكة والسنوسي بطرابلس وغيرهم. وقيل كان في خلده أن يأخذ لنفسه الخديوية. ثم تولى نظارة الجهادية في وزارة البارودي باشا. لكن الخلافات تصاعدت بين الخديو والبارودي وتاقت نفس هذا إلى ارتقاء منصة الخديوية. وحاول الخديو إقالته، وكثرت الفوضى في البلاد وحضرت بواخر حربية انجليزية وفرنسية للإسكندرية. وفي ١١ يونيو ١٨٨١ قامت الغوغاء بالاسكندرية وأوقعوا بالأجانب ضربا وقتلا وأفحشوا في السلب ونهب وتخريب الحوانيت، ولجأ بعضهم إلى أصحاب الشرطة فلاقاهم أولئك بسنابك البنادق فقتلوهم عن آخرهم. وفي ١١ يوليو دك الإنجليز حصون الإسكندرية. وانتشر العربان وانبثوا كالجراد فعاثوا وأفسدوا وسلبوا الحوانيت والبيوت وفسقوا بالأبكار والأمهات فكانوا كالوحوش الضارية وفعل كذلك الجنود فكان المشهد مريعا والخطب شديدا وأضرمت النيران في أنحاء المدينة. ولما علم الخديو بكى ورسم بوقف السلب والنهب والحرق وبقي برأس التين. وعقد عرابي مجلسا من المشايخ لعزل الخديو. ووقع بين الباب العالي وبقية الدول مناقشة في أمر إرسال عساكر عثمانية أو مختلطة إلى مصر لاستعادة الأمن، ورسم السطان بعصيان عرابي وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين. وانتهز الإنجليز الفرصة فنزلوا الإسكندرية ثم بورسعيد، ونشب قتال مع العرابيين عند كفر الدوار، وقام الخطباء في المساجد يحضون على الجهاد والإعانة على الكافرين.

 

وفي طنطا ودمنهور والمحلة الكبرى ثار المسلمون على النصارى يذبحونهم وينهبون بيوتهم ويسبون نساءهم وأولادهم وكانت الناس تُقتل وتجرّ من أرجلها على الأرض كالبهائم المأخوذة للسلخ بعد الذبح، وكان الغوغاء وخفراء الديوان يوقعون بكل من يمر عليهم من النصارى ولا يرفعون أيديهم عنه حتى يقضى عليه، وبعد موته على هذه الحالة الشنعاء يستلمه جماعة آخرون فمنهم من يجره من رجليه ومنهم من ينزل على رأسه بالهراوة حتى تتطاير أجزاؤه.

وانهزم عرابي في معركة التل الكبير أمام الإنجليز. [[(..) وسارت جيوش (الإنجليز) إلى القاهرة فدخلوها بدون أدنى مقاومة ولم يحصل منهم أدنى أذية لأحد ولا أدنى تعد على أحد فكان ذلك عجيبا عندنا (..)]].

 

ثم قُبض على عرابي وصحبه وحوكموا، طبقا للقانون العثماني، بتهمة الخروج عن طاعة الخديو، واختار للدفاع عنه ثلاثة من أهل القانون الإنجليز. ثم بدل الخديو العقوبة بالنفي. ورحل عرابي ومن معه ونساؤهم وجواريهم إلي سيلان. (الكافي ج٣ ص ٢٦٩ـ٤٣٨).

 

وهكذا أصبحت مصر تحت الاحتلال البريطاني. ولكن من الناحية القانونية لم تكن من “ممتلكات التاج البريطاني” (مثل الهند وغيرها)، بل استمرت ولاية عثمانية يحكمها «خديو»، حتى إعلانها «محمية بريطانية» مع بداية الحرب العالمية الأولي (١٩١٤) فأصبح الحاكم «سلطانا»، ثم صار «ملكا» مع صدور دستور ١٩٢٢ ونوال الاستقلال (الجزئي).

 

[[وبينما كانت الثورة العرابية قائمة في مصر نهض رجل من عرب جنوبي أفريقيا اسمه محمد أحمد (زعم أنه) المهدي (المنتظر) وجمع حوله جيوشا من الناس وتقدم بهم إلى البلاد السودانية التي تحت تسلط خديوية مصر وتملك تلك الأقطار فصدتهم الجيوش المصرية (بعد أن قتل مئات منهم وسلب ونهب) وكسروهم وأسروا منهم عددا كثيرا وبقيت سواكن في يد مصر]].

 

[[وحدثت لهذا الأب أتعاب بسبب المنازعات مع (المجلس الذي كان قد تشكل من اثني عشر عضوا من غير الإكليروس لمساعدة القائم بأعمال الكنيسة في فترة فراغ الكرسي البطريركي، واستمر بصورة متقطعة بعد رسامة الأنبا كيرلس)، ذلك أن أرباب المجلس (وعلى رأسهم بطرس باشا غالي) طلبوا النظر في مصالح الكنايس وأحوالها وفي المدارس والأوقاف ورسامة القسوس وغيرها التي فيها بعض الأمور غير اللائقة (..) فلم يقبل البطريرك والأساقفة والرهبان وغيرهم. ودام الاختلاف بين الطرفين لكن أرباب المجلس تقووا بالحكومة وحملوها على إبعاد (البطريرك) إلى دير البراموس (سبتمبر ١٨٩٢) (*) ولكنه أعيد (فبراير ١٨٩٣). وقد عرف جميع الملل وأيضا الحكومة ذاتها أن الحق كان بيد الأب البطريرك (..)]].

______________________________________

(*)بغض النظر عن وجاهة أسباب الخلاف بين “أراخنة” الكنيسة والإكليروس، فإن إقدام هؤلاء على نفي البطريرك، وهي حادثة فريدة في تاريخ الكنيسة برغم الأهوال التي مرت بها، أمرٌ يستحق التأمل

 

وفي نوفمبر ١٩٠٨ أصبح بطرس غالي باشا رئيسا للنظار (أيام الخديو عباس حلمي الثاني: ١٨٩٢ـ١٩١٤)، بعد أن كان ناظرا للخارجية (١٨٩٩) وناظرا مؤقتا للحقانية (١٩٠٦). وقد ارتاح الأقباط لتعيينه وذهب أحدهم إليه قائلا: «إن شاء الله يا باشا تنظر لمطالبنا القديمة وتساعدنا على نيل المساواة في عهدك»، لكنه قاطعه قائلا: «إني لا أنوي التدخل في هذه المسألة (*)، فأبعدوا عنكم كل هذه الآمال الآن». وفي فبراير ١٩١٠ اغتاله ابراهيم الورداني، أحد شباب الحزب الوطني، «لأنه خائن للوطن». (تاجر ٢٤٩).

______________________________________

(*)لاحظ أن هذا أيضا ما فعله وقاله، بالحرف الواحد، حفيده د. بطرس بطرس غالي، عندما طُلب منه استغلال مكانته (العالمية) المرموقه والسعي لدى الحكومة المصرية لتهتم جديا بمعالجة «ملف مواطنة الأقباط»

 

[[ونلفت إلى ذكر الأديرة فنقول أنه في الأجيال الأولى للرهبنة كانت في أرض مصر مئات الأديرة العامرة بالرهبان لكنها صارت تخرب (..) وكانت الأديرة في أيام هذا الأب سبعة منها أربعة في برية شيهيت (وادي النطرون) (..) وديران بالجبل الشرقي (البحر الأحمر) والسابع دير المحرق (..) وفي هذه الأديرة قريب من أربعمائة أو خمسمائة راهب. وكل منها له أطيان خاصة من الإنعامات والشراء يزرعها، فيما عدا الأوقاف. أما أديرة الراهبات فهي خمسة منها ثلاثة بالقاهرة واثنان بمصر العتيقة. أما كراسي المطارنة والأساقفة فكانت تسعة عشر (..) منها كرسي مطران أورشليم وأسقف الخرطوم والنوبة ومطران الحبشة وأساقفته الثلاثة. غير أن هذه الكراسي قابلة للزيادة والنقص (..)]].

_____________________________________

**لاحظ الانتعاش في أحوال الأديرة مقارنة بما كانت عليه حتى بداية أيام هذا البطريرك.

[[وبالإجمال نقول أن الحكومة المصرية في أيام هذا الأب كانت في أعلى درجات العدل وحسن النظام والترتيب وأزالت التعصبات الدينية وساوت بالتقريب بين رعاياها نصاري وإسلام ورفعت أكثر المظالم وأتت بكثير من الأعمال الخيرية لنفع عموم الأهالي ومن ذلك عمل السكك الحديدية والتلغرافات والبوسطات وإنشاء الترع والجسور والقناطر وتأسيس معامل الورق والسكر وتكثير الآلات النارية والبخارية وسن النظامات والقوانين وشد الربط والضبط مع إطلاق الحرية الشخصية والدينية وفتح المدارس ونشر العلوم والفنون وتحسنت أحوال مدينة القاهرة فاتسعت عمائرها ونظمت شوارعها وأنيرت بالغاز ومدت فيها مواسير المياه وكثرت فيها المدارس والمطابع وكذلك مدينة الإسكندرية. وأيضا في هذه الأيام كثرت المخالطات والمعاطاة بين أقطار العالم إذ سهلت عليهم الأسفار بفضل الوابورات البرية والبحرية وسهل نقل الأخبار وكثرت الجرائد والكتب المطبوعة وكثر العلماء جدا لا سيما في أوروبا وكثر الأوربيون في بر مصر وبواسطتهم صارت الأعمال الهندسية والعلمية والسياسية لتنظيم بر مصر (..) وبالإجمال كاد القطر المصري يشبه الممالك الأوروبية]].

وبهذه الكلمات الإيجابية والمفعمة بالتفاؤل ـ التي يبدو أنها سطرت في مطلع القرن العشرين ـ ختم مسجلو «تاريخ البطاركة» حولياتهم.

***

 

وباختصار، يمكن القول أنه بعد قرن من الصدمة البونابرتية وبفضل جهود محمد علي ثم ذريته من بعده، وخاصة سعيد واسماعيل، بدأت تلوح أضواء تبشر بالخروج من نفق التخلف الذي عاشته مصر والعنصرية الدينية والإذلال والقهر التي عاشها القبط عبر قرون الاحتلال الإثني عشر السابقة، وبدأت تتشكل عند الأفق ملامح دولة عصرية يتعايش فيها «المواطنون» على قدر من «المساواة» القانونية بغض النظر عن الدين. وبرغم الانتكاسات والمذابح التي شابت تلك الحقبة، بسبب استحالة التخلص بسهولة من آثار العنصرية الدينية الوحشية المتغلغلة، فقد أصبحت مصر في مواجهة تساؤلات جديدة حول تكوين الأمة المصرية وطبيعة الدولة الجديدة. ولكنها قضت نصف القرن العشرين متأرجحة في الإجابة عليها بين “الجامعة الإسلامية” (التي دعا لها مصطفى كامل ومحمد فريد وجاويش ورشيد رضا وغيرهم حتى حسن البنا والإخوان) و “الجامعة المصرية” (التي قوت منها ثورة ١٩١٩ والتوحد الوطني في مقاومة الانجليز، ثم الفترة “الليبرالية” التالية).

 

لكن هل تم حسم الإجابة؟ وفي أي اتجاه كان الحسم؟؟

 

 

إقرأ المزيد:

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 16

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 15

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 13

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 12

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 11

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 10

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 9

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 8

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 7

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 6

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 5

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 4

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 3

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 2

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 1

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وأندَثَرَت باقِي الأجناس

لماذا المسيحيون أهل ذمة عند المُسلمين؟

الاسلام ذبح أكثر من 500 مليون شخص من غير المسلمين منذ عام 622 م

إِلْهَاً وَحْشِيًّا يَلدْ أُمْة من اَلْقَتَلة

كل مؤمن بنص (سورة التوبة 29) هو شريك متضامن فى كل العمليات الإرهابية

ثورة البشامرة ضد الغزوات العربية، والمسكوت عنه فى التاريخ المصري

داعش والاسلام ...عملة واحدة ذات وجهان

ألأب ثيوذورس داود.. الحقيقة نحن لسنا عرباً

هوامش الغزو العربي الإسلامي لمصر

  • مرات القراءة: 1522
  • آخر تعديل السبت, 16 نيسان/أبريل 2022 05:33

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.