حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 15

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 15

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 15

 

عادل جندي

 

 

قام الكاتب والباحث القبطى الأستاذ / عادل الجندى ، بكتابة بحث تاريخى قيم عن تاريخ الأمة القبطية منذ إحتلال العرب لمصر وحتى عصر مصر الحديثة وحكم محمد على واولاده ، وقد نشر بحثه على ستة عشر مقالاً مسلسلاً على الأنترنت خلال الفترة من 16/8/2008 وحتى 27/1/2009.وقد كان مرجعه الاساسى فى هذه الدراسة القيمة ” كتاب مخطوط تاريخ البطاركة.

ولفائدتها والمجهود المبذول فيهم قام موقع الحقيبة الإسلامية بأعادة نشرها لتصحيح المفاهيم حول الغزو الإسلامي لمصر.

 

الحلقة الخامسة عشر:

15الأقباط تحت الحكم العربي الإسلامي

 

تعمدنا في الحلقات السابقة من هذه السلسلة ترك الوقائع تتكلم، بأقل القليل من التدخل بالملاحظات. وكان القصد من هذا الأسلوب هو أن نضع أنفسنا في جو الأحداث ذاتها، وألا نبدأ بمقولات جاهزة ثم نبحث عن مبررات لها.

 

والآن جاء وقت تقديم بعض الملاحظات والاستنتاجات، سنقوم بتبويبها تحت عشرة عناوين رئيسية، لافتين النظر إلى ما بينها من ترابط، وإلي أننا سنحاول عبرها تقديم قراءة للتاريخ قد تساعد على فهم الحاضر

 

أولا: ما بعد الفتح:

وقف الأقباط (كشعب) إلى حد ما موقف المحايد أثناء الغزو. وقد أبرز حنا النقيوسي (الذي كان معاصرا) صورة كئيبة لأحداث الاحتلال، ذكر فيها حوادث القتل والسلب والنهب والتخريب ولخص الحال بقوله [ولم يكن عند عمرو رأفة بالمصريين ولم يحترم العهد الذي قطعه معهم، لأنه كان من جنس البرابرة] (فصل ١٢٠ـ٣٦).

 

وقد فوجئ القبط بتقدم العرب غير المنتظر، وبقوا حيارى ومترددين زمنا طويلا. وجاءت هزيمة الجيوش (التي كان بعضها بيزنطيّ الرئاسة، وقبطيّ الجند) لأسباب تتعلق بالترهل وضعف القدرات القتالية وسوء التنظيم (مصر كانت مقسمة لخمسة أقاليم مستقلة) وتخبط التكتيكات. كما ساعد بعض يهود الإسكندرية العرب، ردا على محاولات هرقل تنصير اليهود (بعد أن سمع نبوأة بأن «أمة مختونة» ستأخذ ملكه..). ومع اقتراب الهزيمة، قد قام الرومان (المقوقس وقادة الجيوش) بالتفاوض على تسليم البلاد، ولكن أهل الإسكندرية ثاروا على الاتفاق الذي تم بدون علمهم وكادوا يرجمون المقوقس، ولكن الأمر كان قد خرج من الأيدي برفض قادة الجيوش استمرار القتال.

 

بعد استتباب الأمور للغزاة، وعندما أدرك عمرو منزلة البطريرك بنيامين أعطاه الأمان ليرجع من مخبئه، ربما بقصد أن يجعله مسئولا ضمنيا عن إخلاص الشعب. أما المزاعم حول رسالة بنيامين لجميع الأساقفة بمناصرة الغزاة (ذكرها ابن عبد الحكم)، فقد كذبتها الأحداث وتجاهلها المؤرخون الآخرون؛ كما لا يوجد ما يشير إلى أن القبط قدموا أي مساعدة لجيش عمرو أثناء حصاره الطويل لحصن بابليون.

 

أضف لذلك أنه بعد استقرار الأمور عسكريا لصالح الغزاة والسيطرة على البلاد، قام تساؤل «هل فتحت مصر صلحا أم عنوة؟». وكان الجواب الأرجح هو: «عنوة»، بسبب وجود الأقباط في الجيوش البيزنطية دليلا على مقاومة الأهلين للفتح، ولأن حاميتي بابليون والإسكندرية لم تطلبا وقف القتال إلا بعد الشعور بانفلات زمام الأمر. وقد قال عمرو وهو جالس يوما بالمسجد: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليّ عهدٌ ولا عقد (..)؛ إن شئت قتلت، وإن شئت خمست، وإن شئت بعت» (البلاذري ص٢١٧). وعندما أسلم رجل في عهد عمر بن الخطاب وطلب رفع الجزية عنه، قال عمر «لا، إن أرضك فتحت عنوة». وفيما بعد كتب الوالي حيان بن شريح إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يسأله في فرض جزية موتي القبط علي أحيائهم، فسأل الخليفة عراك بن مالك فقال: «ما سمعت بعهد ولا عقد وإنما أُخذوا عنوة بمنزلة العبيد»، فكتب عمر إلى حيان موافقا. (المقريزي ـ الخطط ج١).

 

والموضوع ليس مجرد جدل نظري أو شرعي بالطبع، لما ترتب عليه من أشياء مثل حظر بناء كنائس جديدة أو إعمار ما تهدم منها

 

ثانيا: اغتصاب مصر:

منذ الغزو العربي وبسببه وكنتيجة له، اغتُصبت مصر مرارا وتكرارا وأصبحت مداسا لكل من هب ودب، إذ توالت عليها الغزوات الكبرى والصغرى، الواحدة منها تنافس الأخرى همجية وإفسادا. فبعد حوالي القرن من «الفتح» (٦٤٠)، جاءت الغزوة العربية الثانية على أيدي العباسيين (٧٥١). وبرغم مساعدة القبط لهم على التخلص من الأمويين، إلا أنهم كانوا أكثر همجية ووحشية (راجع القمع الدموي ضد البشموريين). وبعد قرن آخر، خرج من داخل العباءة العباسية حكم الولاة الأتراك (الصلاجقة، في ٨٥٦) وكانوا أشر وأضل من سابقيهم. وبعد قرن، جاءت (٩٦٩) غزوة المغاربة (الفاطميين) بتقلباتهم واضطهادات الحاكم بأمر الله الفاحشة. وبعد قرنين، جاءت (١١٧١) غزوة الأكراد (الأيوبيين) بتعصبهم، الذي ضاعفت من وقعه حروبُ الفرنجة وتداعياتُها. وبعد حوالي قرن آخر (١٢٥٠) خرج من عباءتهم المماليك العبيد الذين استولوا على الحكم فصار أشد ظلاما وظلما، لفترة امتدت لأكثر من قرنين ونصف، انتهت بغزوة الأتراك العثمانيين (١٥١٧) الذين، بدورهم، فاقوا الجميع وحشية وفظاظة.

 

وبعد محاولات الخروج من النفق المظلم على أيدي آل محمد علي (بعد صدمة بونابرت في ١٧٩٨)، جاءت في الثلث الأخير من القرن العشرين الهجمة الوهابية الشرسة التي ترزح مصر تحت نيرها، والتي لا نبالغ إذا زعمنا أنها ليست سوى غزوة غاشمة جديدة في سلسلة الغزوات.

 

وهذا يجرنا إلى محاولة الإجابة على التساؤل الذي طرحناه في نهاية المقال السابق، بعد الإشارة إلي فترة التردد بين دعوات «الجامعة الإسلامية» و «الوطنية المصرية» التي مرت بها مصر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.

 

فالواضح أنه بعد ١٩٥٢ حدد عبد الناصر (الذي كان «أول حاكم مصري للبلاد منذ قرون طويلة») أولويات مصر لتكون أولا «العروبة المرتبطة بالإسلام»: لأن [الدائرة العربية هي أهم الدوائر وأوثقها ارتباطا بنا. فقد امتزجت معنا بالتاريخ وعانينا معها نفس المحن وعشنا نفس الأزمات (..). وامتزجت هذه الدائرة معنا أيضا بالدين، فنقلت مراكز الإشعاع الديني، في حدود عواصمها، من مكة إلى الكوفة… ثم إلى القاهرة]؛ ثم الإسلام، باعتباره [دائرة إخوان العقيدة الذين يتجهون معنا أينما كان مكانهم تحت الشمس إلى قبلة واحدة، وشفاههم تهمس بنفس الصلوات (..) ثم أعود إلى الدور التائه الذي يبحث عن بطل يقوم به (..) ونحن وحدنا بحكم “المكان” نستطيع القيام به]. (فلسفة الثورة ص ٩٤ و ١١٤).

لكن سرعان ما جاء السادات ليوضح الأمر ليصبح دور مصر حول الإسلام أولا وأخيرا («الرئيس المؤمن» و «أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية» الخ الخ). وليس هناك في «الطظات» التي يتفوه بها البعض في حق «مصر» خروج كثير عن هذا المفهوم الذي بات محفورا في دستور البلاد.

وهكذا فإن مصر في القرن الحادي والعشرين لا تزيد كثيرا، في الواقع، عن مجرد «إيالة» في «الدولة الإسلامية العالمية» التي تمارس فيها «الخلافة الوهابية» الآن دور القيادة عبر منظمة «المؤتمر الإسلامي» وباقي المؤسسات النابعة عنه أو المرتبطة به. وعادة لا تكتفي مصر بدور التابع المستكين في هذه «الدولة»، بل كثيرا ما تقود جناح التطرف والمزايدة علي الجميع (راجع أزمة الرسوم الدانماركية).

 

ثالثا: التخريب المادي والحضاري:

طوال فترات الاحتلال كان همّ سلطة الخلافة المركزية ضمان تحصيل الضرائب وإرسال المال لها. وقد كان شعار الخلفاء هو ما لخصه ببلاغة الخليفة سليمان بن عبد الملك الذي كتب يأمر متولي خراج مصر: «احلب الدر حتي ينقطع واحلب الدم حتي ينصرم». وكان الولاة لا يُتركون لمدة طويلة حتى لا يكون لدى الواحد منهم متسعا من الوقت لمحاولة الاستقلال.

 

ويدل إحصاء سريع قمنا به للولاة والسلاطين الذين تولوا حكم مصر بين ٦٤٠ و١٨٠٥ (باستثناء فترة الحكم الفاطمي، حيث كان الخلفاء مقيمين بالقاهرة) على أنهم كانوا ما لا يقل عن ٣١٥، أي بمعدل والٍ كل ثلاث سنوات. وكان الهمّ الأول للوالي هو الإثراء، وكانت جميع الوسائل مشروعة لابتزاز الأموال وتكديسها. أما مصلحة البلاد فتأتي في الدرجة الثانية (إن جاءت أصلا). وليس بمستغرب أن يغترف عمرو، ومن تلاه من الولاة، المال وهو العربي البدوي الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها أمام ثروات كبيرة.

 

ولم تكن هناك أي تدابير طويلة، أو حتى قصيرة، المدى لتنمية ثروة البلاد الاقتصادية وأُهملت الإصلاحات العامة تماما، باستثناء قلة من الحكام الذين سعوا إلي الاستقلال واهتموا بتثبيت قواعد حكمهم الشخصي وأمجادهم، عن طريق بعض المشروعات ـ التي كان معظمها يدور حول «المعمار الديني».

 

وبينما كان مجموع الخراج والجزية يقدر بحوالي اثني عشر مليون درهم أيام عمرو بن العاص، فقد انخفض عبر القرون ليصل إلى مليون ونصف عند دخول الفرنسيين، مما يبين درجة افتقار البلاد. بل إن مساحة الأراضي المزروعة نقصت من ستة ملايين فدان عند «الفتح» لتصل إلى النصف في عهد هشام، أي بعد أقل من ثمانين سنة. وظلت تراوح هذا المستوي حتى عصر محمد علي.

 

أما عدد سكان مصر الذي كان يقدر بخمسة عشر مليونا عند الفتح فقد وصل إلى ثلاثة ملايين عند مجئ بونابرت.

 

ويشير ألفرد بتلر (المؤرخ «المعتمد» الذي برأ العرب من تهمة حرق مكتبة الإسكندرية) إلي كيف تدهور الحال سريعا بمصر بعد الفتح […وكيف اضمحلت تلك المدن العظيمة التي كانت في أخر عهد الرومان مزدهرة. فإن الإسكندرية وإن كانت أعظم مدائن الشرق إن لم تكن أعظم مدائن العالم، لم تكن سوى واحدة من مدائن كثيرة يلي بعضها البعض فيما بين (البحر الأبيض) وأسوان. ولو وصفنا هذا الاضمحلال لرأينا كيف كانت المعابد العظيمة والقصور الجليلة تتهدم وتتخرب (..) وكيف كان المرمر الثمين ينزع من مواضعه لكي تبنى به الأبنية أو لكي يصنع منه الجير، وكيف كانت تماثيل البرونز تصهر لكي تتخذ منها النقود أو لتصنع منها الآنية]. («فتح العرب لمصر» ص ٥٠١).

 

ومن عينات التخريب الحضاري الذي تعرضت له مصر طوال عصور الاحتلال حملة النهب التي قام بها سليم الأول بعد الغزو العثماني لكل ما هو قيِّم في مصر، حيث لم يترك في القلعة شيئا لم يأخذه، حتى أعمدة الإيوان، إضافة لأعمدة وأحجار فرعونية من الصعيد. وحُمِلت النهيبة إلى القسطنينية على آلاف الجمال وأعداد لا تحصى من المراكب. كما جلب أعدادا كبيرة من الحاذقين في المهن والصنايع والتجارة والفلاحين والعمال ليُسَخِّرهم في تعمير بلاده. وقد حدث نفس الشئ بالنسبة للكنائس عندما أمر خلفاء (مثل المعتصم) بأن «تؤخذ من البيع في كل مكان الأعمدة والرخام».

 

وعلى صعيد التخريب الحضاري «الرخو» ما أدت إليه هذه السلسلة من الغزوات من «إلغاء» التاريخ السابق عليها واعتبار أن تاريخ مصر وحضارتها يبدآن مع إشراقة الفتح العربي الإسلامي. ولولا اهتمام العالم بالحضارة المصرية القديمة ـ مهد الحضارات العالمية ـ واحتياج مصر إلى موارد السياحة لربما استمر اعتماد تلك الصورة الكاذبة باعتبارها «الحقيقة». ولكن في وسط «الاهتمام» (السياحي) بآثار القدماء، فإن الحكومة المصرية ما زالت ترفض بكل إباء مجرد وجود قسم للدراسات «القبطية» في إحدى جامعاتها، بينما توجد لها عشرات الأقسام في مختلف جامعات العالم

 

رابعا: علامات علي طريق علاقة القبط بالغزاة

يمكن رصدها بإيجاز كالتالي:

١ـ الصدمة:

اعتاد المصريون منذ قديم الزمن (خصوصا في فترات ضعف السلطة المركزية) على غارات قبائل الآتين من الصحراوات الشرقية والغربية للسلب والنهب والخطف والسبي. ولكن بينما كان هؤلاء يرحلون في كل مرة بعد فترة، قصرت أم طالت (بما في ذلك الهكسوس، أجداد عرب الجزيرة، الذين طوردوا من مصر بعد ثلاثة قرون)، إلا أن الغزاة الجدد تبين أنهم ينوون ممارسة كل ما سبق، زائد البقاء كضيف ثقيل إلى أجل غير مسمى؛ فقد تحول «الفتح» إلى «احتلال واستعمار استيطاني».

وبالطبع فإنها ليست المرة الأولى أو الوحيدة في تاريخ العالم التي تنقضُّ فيها جماعات همجية على شعوب متحضرة مستقرة. وكما يقول ابن خلدون: «فمن كان أعرق في البداوة وأكثر توحشا كان أقرب إلى التغلب على سواه» (المقدمة ج١ ص ١٣٨). وما أكثر ما فعلت قبائل الجرمان والنورماند والفايكنج وغيرهم في أوروبا، والتتار في الشرق. لكن في معظم الحالات كان الهمج البرابرة، سواء استقروا أو رحلوا، ينتهون بالتحضر… إلا في حالة غزوة هذه، فليس فقط رفضوا قبول الحضارة (في مصر والشام وغيرهما) بل أرادوا (ونجحوا في) فرض همجيتهم على الشعوب المتحضرة التي انقضوا عليها.

 

٢ـ محاولة التأقلم:

بعد إدراك حقيقة الواقع الجديد المر، راح القبط يولون اهتماماتهم إلى ما تعرفه عادة الشعوب والجماعات المستقرة المتحضرة: القلم والفرشاة والإزميل والشادوف والمحراث والمنشار والمغزل والمنسج والمصبغ والمسبك والمخبز والمتجر والمدرسة؛ تاركين للغزاة ما يعرفونه ويجيدونه ويحبونه: السيف والحربة والخنجر المسموم والغزو والتآمر والجواري والغلمان (وأداء الفروض الدينية).

 

٣ـ المقاومة السلبية:

في مواجهة جشع الحكام الجدد وفرضهم لصنوف الضرائب، وتعنتهم في أساليب الجباية، لجأ القبط إلي أساليب المقاومة، مثل الهجر الجماعي للمزارع والهرب من مكان لمكان فرارا من التعسف، بعد ما أصبح الإلتجاء إلى الأديرة لا يعفيهم من الالتزامات المادية. لكن الحكام قابلوا هذا بشراسة وفظاظة تليق بهم، فلم يعد مسموحا أن يترك الفرد موطنه للسفر أو الاستيطان في منطقة أخرى بدون تصريح محدد (جواز سفر!) لضمان دفع جزيته. وكانوا يستولون على أراضي من لا يعودون ويعطونها لقبائل الأعراب ثم يجبرون الفلاحين القبط على زراعتها دون مقابل! أما الأرض التي يزرعها العرب فقد كانت “عشرية” أي لا يدفع عنها خراج، بل الزكاة فقط.

 

٤ـ المقاومة الإيجابية:

بسبب زيادة الضرائب الظالمة بشتى الطرق (بما في ذلك إجبار الأحياء على دفع جزية الأموات!)، وتعاظم أساليب القهر في جمعها، أخذت المقاومة شكل «الثورات» ودامت لأكثر من قرن وشملت الوجهين القبلي والبحري وأُخمدت كلها بالقوة. وكانت أولى الثورات أيام الأمويين في (٧٠٦م)، واحدة في الدلتا وأخرى بالصعيد. وقامت ثورة ثالثة (٧٣٨) ثم رابعة (٧٤٠م) وخامسة (٧٤٩) في آخر أيام الأمويين، قُمعت بعنف مما دعا القبط لمساندة العباسيين. ثم كانت ثورة الشموريين (٨٣١) التي انتهت بمذبحة وحشية وتهجير جماعي للباقين على قيد الحياة إلى مستنقعات الأهواز بجنوب العراق، وذلك على يد الخليفة العباسي عبد الله المأمون، الذي تُخلِّد الدولةُ المصرية ذكراه العطرة بإطلاق اسمه علي واحد من أكبر شوارع “مصر الجديدة (!)

وقد كانت تلك الفترة استثناء لم يعد بعده القبط لمواجهة العنف بالعنف، والتزموا بالمسالمة التي دعت إليها وشجعت عليها الكنيسة.

 

٥ـ محاولات الترويض:

قِبل القبط الأمر الواقع وحاولوا ـ على طريقتهم في ذلك الوقت ـ تجربة معادلة «الأرض مقابل السلام» وبها يتنازلون عن (استقلال) البلاد الكلي أو الجزئي وعن الأرض والحكم، في مقابل العيش في طمأنينة على أنفسهم وأملاكهم؛ ولكنهم خسروا طرفي المعادلة معا، ولم يلبث الخناق أن يضيق عليهم شيئا فشيئا حتي يفقدوا روح المقاومة. ثم بدأوا تجربة طرق التودد إلى والتقرب من الغزاة (المستقرين!)، وتأدية الخدمات، بل والتشبه بعادات المسلمين (انظر أدناه). ثم زادوها بتعلم لغة الغزاة لتحسين التواصل، وهي الخطوة التي أدت مع الوقت لإهمال لغتهم الوطنية، وانتهت بإضعاف هويتهم القومية. وعلى أي حال لم ُتؤد أيٌ من تلك المحاولات إلا لمزيد من القهر والإذلال والازدراء.

 

٦ـ الاستسلام:

حاول القبط التمسك بما يضمن سبل معيشتهم، وبدور عام في إدارة البلاد؛ وهو دور «الكاتب المصري الجالس القرفصاء». فقد كان دولاب العمل في جهاز الحكم الإداري (أي البيروقراطية) معتمدا عليهم بالكامل، وذلك نظرا لمهارات المساحة والمحاسبة ومسك الدفاتر التي لم يكن للغزاة الأعراب البدو دراية بها، ولا بأي من نظم وفنون الإدارة، لذا تركوا الأنظمة القائمة كما هي، واهتموا فقط بما يأخذونه من ضرائب وجزية وخراج. وكان التخلص من القبط يعني استحالة تقدير وجمع الخراج والضرائب؛ الشئ الأهم بالنسبة للغزاة.

 

ولذلك لم يستطع الولاة الاستغناء عنهم برغم النصوص الشرعية والأوامر الحازمة من الخلفاء (مثل ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأحد الولاة الذي استخدم نصرانيا: «ماذا فعلت يا رجل؟ إن الله سيعاقبك. ألم تدرك معنى قول الله تعالى هذا: «يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولاه منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين». ولما احتج ذاك بأنه استخدمه للكتابة فقط وترك جانبا عقيدته، أجابه أمير المؤمنين: «ليس هذا عذرا، ولن أشرِّف أبدا الذين احتقرهم الله، ولن أرفع أبدا الذين وضعهم الله في حالة دنيئة، ولن أقترب من الذين أبعدهم الله منه»). وبعد سبعة قرون من كلام عمر، أكده الفقيه ابن النقاش: «اعلم أن الشرع لا يسمح باستخدام الذميين، وهذا رأي جميع المسلمين. أما العلماء، فقد أفتوا بعدم استخدام الذميين، فحرموه بتاتا أو أعربوا على الأقل عن عدم رضاهم».

 

وكان بعض الولاة يتجاهلون الأوامر، أو كانوا يفصلون القبط من العمل، ثم سرعان ما يعيدونهم، لعلمهم بأن الأهم ـ في النهاية ـ عند الخلفاء هو المال ولا شئ غيره. بينما حرص آخرون على الالتزام بأوامر الشرع، فمثلا صلاح الدين (الذي كان من بين ألقابه: «جامع الإيمان، قامع عبدة الصلبان») أشار «ألا يُستخدم النصارى نظارا على أموال الدولة ولا مشرفين، فلم يعد أحد من النصارى يُستخدم في نظرٍ ولا مشارفةٍ في أيام دولته ولا مَن ملك بعده من ذريته».

 

وإن استطاع الكتّاب الأقباط أن يشغلوا بعض المراكز الكبيرة، إلا أن «الشارع الإسلامي»، وخاصة في عصور المماليك وما بعدها، كان يظهر غضبه لرؤية قبطي ذي نفوذ، بل لم يعد يقبل أن يكون لأقلية دينية أي حقوق. وأغلب الظن أن خدمات كبار الأقباط للحكام، كما يقول محمد شفيق غربال، كان أساسها، إضافة للسعي (المشروع؟) للنفع الشخصي، «الخلاص مما كانوا فيه من امتهان، لا يرفعهم من حضيضه ما ملكوه من مال وجاه ولا يفارقهم مهما زادت حاجة الحكام إليهم».

 

وهكذا فقد قام القبط بالدور الوحيد المسموح لهم به على أفضل صورة، وذلك حتى القرن العشرين وانتشار التعليم… وبعدها لم تعد هناك «حاجة» إليهم. ولذا، أليس من «الطبيعي» جدا (التزاما بنص وروح الشرع) أن يكون تواجدهم اليوم في كافة أجهزة الدولة منعدما، أو لا يتجاوز نسبة «رمزية» لا تتعدى إطلاقا ٢ بالمائة، وهو الأمر الذي يليق بإيالة إسلامية تحافظ على تدينها؟

 

٧ـ الاضمحلال:

معركة البقاء على الحياة: مع الوقت، كان الحكام يبتزون أموال القبط بسهولة دون أن يخشوا قيامهم بحركات ثورية، ورتبوا مصائرهم حسب هواهم أو هوى الشعب (الرعاع). وتماهى القبط مع ذميتهم واعتبروا غاية المنال البقاء في الحياة، وطاعة الرؤساء. وبهذا بدأت عصور الاضمحلال مع نهاية عصر الفاطميين ومجئ الأيوبيين. واستشرت عقلية «العنف الرمزي»، أي اقتناع الضحية برأي جلادها فيها (كما يقول عالم الاجتماع بورديو، وهي تقابل «عقدة استوكهولم» التي أطلقها علماء النفس المحدثون على «الرهائن» الذين يدافعون عن مختطفيهم)، إضافة إلى فكرة اعتبار النوائب التي تلم بالناس عقابا سمائيا، وأصبح الأقباط يلومون أنفسهم (بسبب عدم تقواهم) علي ما يحدث لهم. كما اضطروا إلى خفض «سقف طموحاتهم» إلى الحضيض. وقد توافقوا مع أوضاع ذميتهم الذليلة في الدولة الإسلامية «العادلة» لدرجة خروجهم ذات مرة في الشوارع يهتفون للسلطان لأنه أعاد لهم آنية كنسية كان قد استولى عليها بدون وجه حق، كما أنهم شعروا بالفرح لأن أحدا لم يتعرض لهم وهم يدعون للسلطان في الشوارع (!).

ومن ناحية أخرى تزايدت حالات خيانة وطعنات بعض الأقباط لذويهم من أجل مصالحهم الشخصية. وهذه، إضافة إلي التماهي مع ذميتهم الذليلة، آفة استمرت معهم واستشرت، ومازالت، حتى يومنا هذا

وقد فُرض على القبط الكثير من أوامر ونواهي المسلمين، مثل استعمال حريمهم للحجاب، ومعها بدأ فصل النساء عن الرجال في الكنائس. ولكن القبط أخذوا أيضا ينقلون عنهم الكثير من العادات، مثل ختان الأطفال الذي ألغته المسيحية ولم يكن معمولا به قبل دخول العرب، ثم أمر البطريرك في مطلع القرن الثاني عشر بجعله إجباريا. وفي القرن الثالث عشر، كانت كتابات القبط تغص بالألفاظ الدينية الإسلامية كالبسملة. وكان مرتادو الكنائس يقلدون أحيانا بعض شعائر المسلمين، مثل «الوضوء» (الجزئي) قبل الصلاة، وذهب البعض لتحريم أكل لحم الخنزير. وأصبحت عقود الزواج تشير إلى المهر ومؤخر الصداق. كما تغاضى الكثيرون من الأقباط عن تعاليم الإنجيل بشأن الطلاق، واضطرت الكنيسة للتساهل فيه حرصا علي عدم هروب الناس من المسيحية (وهي نفس الحجة التي يتمسك بها اليوم دعاة تيسير قواعد الطلاق).

ووصل الأمر أيام العثمانيين أن «اشتد الولاة على القبط وضيقوا عليهم وعملوا على إبعادهم عن أوطانهم، فأبعدوا منهم خلقا من خيار الناس ثم صادروا من بقى وأفحشوا في تخريب بيوتهم وتبديد أرزاقهم فكانت شدة عظيمة للغاية. وقد ذاقت النصرانية من البلايا والمحن أشكال».

 

خامسا: اللغة القبطية:

عند الغزو العربي، كانت لغة المصريين هي «اللغة المصرية» (في آخر مراحلها، «الديموطيقية»، والتي كانت عندئذ تكتب بحروف يونانية زائد سبعة حروف خاصة؛ وهي ما يسمي بالكتابة ـ أو اللغة ـ القبطية). وكانت النخب والأغنياء يعرفون أيضا اليونانية، التي كانت لغة وثائق الدواوين الرئيسية. استمر الحال حتى أمر الوالي عبد الله بن عبد الملك في ٧٠٦ أن تكون العربية هي لغة التعامل بالدواوين.

لكن الأمر لم ينفذ تماما إلا مع أواخر القرن الثامن، إذ بقيت الوثائق تحرر باليونانية أو القبطية أو (فيما بعد) أحدهما زائد العربية. والسبب في هذا بسيط جدا لأن العربية في ذلك الوقت كانت لغة بدائية لا تصلح لتدوين السجلات والمعاملات، ولم تبدأ في طريق النضج إلا مع جهود اللغوي الفارسي سيبويه (٧٦٠ـ٧٩٦) الذي كان أول من ابتكر وضع “النقط فوق الحروف” والتشكيل، كما نسّق ودوّن قواعد النحو.

 

وبدأ القبط يتعلمون تدريجيا العربية. وإن كانت الأسباب غير مفهومة تماما، إلا أن هناك عدد من العوامل المساعدة وراء هذا: مثل ضرورتها المتزايدة من أجل الاحتفاظ بوظائفهم في الدواوين ومن أجل التعامل مع الحكام والأعداد المتزايدة من الأعراب والمتعربين والمستعربين، (بعد اتضاح طبيعة “الفتح” العربي كاستعمار استيطاني). وبدأت كتابة الكلمات العربية بأحرف قبطية. ثم أدى استعار حرب الاستنزاف ضد القبط ومؤسستهم الدينية، وخصوصا الأديرة، إلى اضطرارهم لإهمال اللغة والتراث، وبدأت مسيرة الاضمحال التدريجي للغة القبطية. ومع القرن العاشر أصبحت العربية منتشرة، وكان ساويرس بن المقفع (المتوفي قبيل سنة ١٠٠٠) أول من ألف بها، فكتب «تاريخ البطاركة» (لغته كانت ركيكة، لكن الكتاب التالين له أجادوها أكثر)، الذي قال في مقدمته أنه استعان «بمن أعلم استحقاقهم من الإخوة المسيحيين وسألتهم مساعدتي علي نقل ما وجدناه من الأخبار بالقلم القبطي واليوناني إلي القلم العربي الذي هو اليوم معروف عند أهل الزمان بأقاليم ديار مصر لعدم اللسان القبطي واليوناني من أكثرهم».

 

ثم تلقت اللغة القبطية ضربة قاصمة على يد الحاكم بأمر الله، الذى أصدر أوامر مشددة بإبطال استخدامها تماما فى البيوت والطرقات والمدارس، ومعاقبة كل من يستعملها بقطع لسانه. بل أمر بقطع لسان كل أم تستخدم تلك اللغة مع أولادها فى المنزل. وكان ينزل بنفسه إلى الشوارع ويتجسس على أبواب البيوت ليرى ما إذا كان هناك أحد يستخدم اللغة القبطية.

(د. سيدة الكاشف، «مصر في عهد الولاة» ).

 

وفي أيام الأنبا غبريال ابن تريك (منتصف القرن الثاني عشر)، الذي كان قبل رسامته من أعيان الكُتّاب «وكان مجتهدا في قراءة الكتب وهو ناسخ جيد قبطي وعربي»، اهتم بترجمة الإنجيل وبقية الكتب الطقسية (بأمر من الوالي؟) وصرح بقراءة الأناجيل والعظة باللغة العربية فى الكنائس، بعد قراءتها باللغة القبطية. وإذ بدأ الإكليروس يستخدمون العربية لتعليم الشعب، ومع تدهور مستواهم الفكري، تركوا دراسة القبطية لانعدام فائدتها العملية. وهكذا، ومع نهاية الدولة الفاطمية، ذبلت اللغة القبطية وكادت تلفظ أنفاسها ـ وإن ظلت مستخدمة في الصعيد حتي القرن السادس عشر. وفى القرن الثامن عشر ظهرت اللغة القبطية المكتوبة بحروف عربية كما هو الحال إلى الآن في بعض الكتب الكنسية.

 

وبتركهم لغتهم القومية، انهارت أقوي دعائم شخصية القبط. بل انهارت دعائم شخصية المصريين جميعا، خاصة وأن اعتناق الإسلام لا يبرر ولا يتطلب العربية لغة. (احتفظ الفرس والأتراك وغيرهم بلغاتهم). والمثير للانتباه أن الدولة المصرية الآن تستنكر اهتمام بعض المصريين (أقباطا ومسلمين) بدراسة لغة أجدادهم ـ القبطية ـ (حتي على طريقة اهتمام الأوروبيين بدراسة اللغة اللاتينية التي لم تعد لغة حياة)، وتعتبره أمرا قد يهدد «الأمن القومي».

 

 

 

إقرأ المزيد:

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 16

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 14

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 13

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 12

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 11

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 10

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 9

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 8

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 7

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 6

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 5

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 4

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 3

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 2

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 1

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وأندَثَرَت باقِي الأجناس

لماذا المسيحيون أهل ذمة عند المُسلمين؟

الاسلام ذبح أكثر من 500 مليون شخص من غير المسلمين منذ عام 622 م

إِلْهَاً وَحْشِيًّا يَلدْ أُمْة من اَلْقَتَلة

كل مؤمن بنص (سورة التوبة 29) هو شريك متضامن فى كل العمليات الإرهابية

ثورة البشامرة ضد الغزوات العربية، والمسكوت عنه فى التاريخ المصري

داعش والاسلام ...عملة واحدة ذات وجهان

ألأب ثيوذورس داود.. الحقيقة نحن لسنا عرباً

هوامش الغزو العربي الإسلامي لمصر

  • مرات القراءة: 1616
  • آخر تعديل السبت, 16 نيسان/أبريل 2022 05:27

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.